متحف غيهب | Stańczyk
مرحبا بك في متحف غيهب، حيث أمسك بيدك، وأتجول بك في متحفي، أوقفك عند كل لوحة، وأحدثك عن تفاصيلها، قصتها، رسالتها، وجمالها.
انظر معي، لقد وصلنا إلى وجهتنا، أول لوحة في هذا المتحف، أحد تحفي المفضلة، المحببة إلى قلبي.
Stańczyk - by Jan Matejko, 1862
«ستانزيك» لوحة يجب الوقوف عندها طويلا، تأملها، أقرأها، أفهمها، اعتبر بها، واتعظ منها، إنها مليئة بالرسائل والأحداث المصيرية، وسأحدثك بشيء من ذلك. لقد كان ستانزيك مهرجا كما ترى، ولكنه مهرج من الطراز الأول، امتاز بالفطنة والدهاء، والنكات الجيدة بطبيعة الحال، وذلك مما أدى لتقربه من السلطات، حتى بات جزءا من مسرح البلاط الملكي البولندي، في كل مناسبة. ولذكائه: كان يستغل كل ذلك في بث نضاله ساعيا في استقلال بلده، فيلقي النكات السياسية، يواري بها الملوك والساسة من حوله.
فقد كانت بولندا تحت وطأة احتلال وتقسيم كل من: روسيا وألمانيا والنمسا حتى عام 1918. ولم يكن من ملوكها أدنى حميّة تجاهها فيدافعوا عنها، بينما انتفضت حركة نضالية من البولنديين للدفاع عن وطنهم، بكل سلاح يعتدون به، حتى لو مسرحية هزلية! والحديث عن بولندا وانقسامها الجغرافي آن ذاك؛ أحسبه سيطول كثيرا، ولذلك سأعرض عنه مكتفيا بما ذكرت لك.
تأملات
يجلس ستانزيك على كرسيه بعد فراغه من أداء دوره المسرحي، ولكن لم هو متجهم الوجه؟ الجواب يكمن في تلك الورقة، اقترب أكثر لتراها:
«احتل الروس سمولينسك البولندية» (التي هي موسكو الكبرى الآن). غشي ستانزيك من الهم ما غشيه خوفا على مصير البلاد من غزوات الروس التي لا تُقابل بأدنى دفاع أو رد! ولكن، أين الملك ليدافع عن بلاده؟ هل يشن الغارات على الروس، أم يرابط على مشارف جبال سمولينسك؟ ستعرف الجواب بنفسك لو نظرت إلى الجهة اليمنى من اللوحة:
لقد كانوا في حفلة راقصة، غير مبالين بما يقع، انظر إلى الملك الأحمق سيجيسموند الأول، ملك بولندا، يحتضن ويراقص زوجته الملكة بونا. وخلفهم يقف قزم يعزف الناي، كرمزية للانحلال، فغالبا ما تكون تلك الأقزام منحرفة جنسيا.
لقد سأِم ستانزيك من ذلك كله، تمعن في نظراته، ستجد عيونا أثقلها عبئ المسؤولية التي لم توكل إليه، وشدة الخذلان ممن تسلط عليه، والعجز التام الذي بين يديه، لقد قام بكل ما ينبغي للمرء القيام به دفاعا عن وطنه، فلم يكن ليلقي طرفة ما؛ دون أن تكون مبطنة بمعانٍ سياسية، محاولا دفع هؤلاء الحثالة إلى الدفاع عن وطنهم، ولكن مالذي قد يفعله مهرج في هذه الحال اكثر مما فعل!
أنظر إلى صولجان ستانزيك ملقى على الأرض.
بساط مجعد، يبدو أنه قد كان يتدلى على الكرسي حتى كاد أن يسقط، فدفع نفسه إلى الخلف يتداركه، وذلك مما أدى إلى هذه التجعدات على السجادة، أو ببساطة هي بفعل الغضب.
مذنب يتجول في السماء فوق الكاتدرائية التي يتوج فيها الملوك، وفي ذلك دلالة رمزية على سقوط البلاد. وتفكرت في شأن ذلك المذنب، وما المعنى الذي يريده ماتيكو منه غير ما ذكرت لك؟ فتبين لي أنه قد يريد التغيير، النضال والتحرك. فبينما تقف النجوم متصلبة في عمق السماء، يظهر مذنب من بينها ليقتل السكون الذي يشاهد الخراب، متخذا البِدار للحراك والقتال، ليجسد حينئذ ستانزيك، والنجوم الساكنة تجسد أولي السلطة المتخاذلون.
هذه القلادة التي تخرج من قميص ستانزيك؛ هي قلادة صغيرة عليها صورة لمادونا السوداء، وهي لوحة تصور السيدة مريم، ونبي الله عيسى ببشرة داكنة.
مريم السوداء - Black Virgin
The Baroque Pauline Monastery in Jasna Góra, in Częstochowa, Poland.
سبب رسمها بهذه البشرة غير واضح، وكثير من الفرضيات حولها غير مرضية. لا يعرف راسمها، ولا تاريخها، قيل أنها رسمت على يد القديس لوقا، في القرن السادس، وأكثر النقاد على أن ذلك غير صحيح، ويرجحون أنها عمل بيزنطي يعود إلى القرنين الثالث والرابع عشر غالبا.
وأما ارتباط مريم السوداء بستانزيك وبولندا؛ فذلك لأسطورة تقول أنها أنقذت الدير التي كانت فيه، وهو دير «بولين» من الغزو والحصار السويدي عام 1655، وتُعد هذه أعظم معجزات اللوحة، كما هو الاعتقاد السائد عند البولنديين، إلى جانب حدث آخر يذكرونه، وهو عندما هجم الهوسيين عام 1430 على الدير نفسه، وحاولوا سرقة اللوحة؛ وقفت خيولهم عاجزة عن الحراك، فقام الفرسان بضرب اللوحة بسيوفهم حتى تمزقت، وتضررت ضررا بالغا لا يُصلح، ثم هرب الهوسيين بعد ذلك. وتجد الندوب واضحة على وجه مريم. فتمثل مريم السوداء حركة نضالية للدفاع عن بولندا.
والهوسيين (Hussite) هي جماعة دينية، تتبع المصلح جون هوس (John Hus) وتهدف إلى حركة إصلاحية دينية، بينما يصفها الأكثر بأنها حركة متطرفة. وكان يقودها المؤسس «البوهيمي جون هوس» وهو عالم نصراني، بل عده البعض من أهم العلماء بوهيميا في القرن الخامس عشر (بوهيميا هي التشيك الآن). ويُوصف بأنه كان مهووسا بموضوع الانشقاق الغربي، فكما تعلم أنه منذ عام 1378 انقسمت الكنسية الكاثوليكية الرومانية بسبب الانشقاق الغربي، الذي قسمت خلاله السلطة البابوية إلى أبوين، وبما أن جون هوس زعيم الإصلاح؛ كان شغله الشاغل إبطال هذا التمزق، وجمعه من بعد التفرق، فدخل في صراعات وجدالات مع رئيس الأساقفة: «زبينيك» لأنه عارض مجمع بيزا الذي عُقد لإصلاح الكنسية، وخلع البابوات المنافسين. فدعمه الأساتذة البوهيميين (التشيكيين)، بينما عارضه الألمان، وهذا كان عام 1409.
Mistr Jan Hus před Kostnickým koncilem - by Vaclav Brozik (1851 - 1901)
جون هوس أمام مجلس كونستانس
أدين جون هوس عام 1414 بالهرطقة في المحكمة الألمانية، وقُتل عام 1415، حرقا على الخازوق، واستمر اتباعه الهوسيين إلى عام 1620، وتاريخهم حافل بالقتال والصراع والولاء من أجل جون هوس، والمعتقد الذي يدعو إليه. وكانت نهاية الهوسيين عندما قررت الكنسية الكاثوليكية استيعابهم، وضمهم إليهم، خاصة بعدما انقلبوا على البروتستانت. ففي عام 1467 أسس بعض الهوسيين تنظيما سمى بـ(وحدة الإخوة) وكانوا على اتصال وألفة بقادات البروتستانت. ثم تم قمع البروتستانتية البوهيمية والمورافية، وانتصرت حركة الإصلاح المضاد الكاثوليكية الرومانية بعد عام ١٦٢٠، عندما هُزم بارونات البروتستانت في معركة الجبل الأبيض خلال حرب استمرّت لثلاثين عاما، وانتهى بذلك زمن الهوسيين.
تسلط اللوحة الضوء على ستانزيك، كحقيقة، ومفهوم، ليجسد التغيير، والولاء، والنضال، وبغض الملوك المهملون بلادهم. اللون الأحمر، لستانزيك، وللصالة الملكية يدل على أنهما شيء واحد، السلطة، والنضال، ولكن مع ذلك تجدهما تفرقا، وفيه دلالة على سبب سقوط بولندا آن ذاك: أن السلطة لا تناضل، والمناضلة لا سلطة لها. كانت هذه اللوحة ولا زالت أعظم إرث البولنديين، وأشهر أعمالهم التي يفاخرون بها، وشعارا قوميا يدل على ولائهم، ووطنيتهم.
والآن انتهت جولتنا في المتحف، لاتنسَ زيارتي لاحقا لأريك لوحات أُخَر.












