ذباب ليبرالي، ونحل ذو حمية
بينما أنا أنظف شقتي رأيت ذبابة ونحلة، كانتا قريبتين من بعضهما، ففهمت أمرا لم أهتد إليه من قبل.. إن الذباب يعيش الحداثة الغربية بأدق تفاصيلها، حيث الفردانية، والشهوانية، وعيشٌ بلا هدف سوى الشبع، كان الذباب يطير وحده، يصطدم بالنافذة ببلادة، ويقف حيث القاذورات، يبحث فيها عما يشبع بطنه، ولو صدف أن اجتمع الذباب في مكان؛ ولوحت عليهم بالمذبة، أو بأي شيء كان؛ لبُعثر جمعهم وتفرق، وصرخ كل واحد منهم: نفسي نفسي، كما أنه لا يكترث لقضية، أو مبدأ، أو نحوه، فحيث كان ما يملأ بطنه ذهب، فهو شهواني من هذا المنطلق، وفردانيّ من حيث لا يملك حمية لبنيه، ولا حتى في عيشه.
وأما النحل فما أعجبه من خلق! فلم أره على حال تزري به قط، يخرج من بيته إلى الحقل، يختار من الزهور أجودها، ومن النبات أزكاها، ليأخذ من رحيقها، ويعطيها من اللقاح ما تحتاجه، ثم يعود إلى خليته حيث قومه، فيهب فيها ما جمع، ويعاود الروحة إلى عمله، بلا كلل ولا ملل، بل هو في شغل دؤوب، ينام الليل، ويكدح النهار.
وإذا ما أسخطتَ أحدهم؛ فز عليك بقيتهم، حتى تظن أن الفرد منهم قوما، وما أشبههم بقول بعض شعراء بلعنبر، وهو قريط بن أنيف:
قوم إذ الشر أبدى ناجذيه لهم
طاروا إليهم زرافات ووحدانا
كما أن نظام عيشهم صارم، ولكل نحلة صنعة، فالملوك في جوف قصرهم، تحرسهم فرسان أولو القوة، ولا يقربنهم أولو سلطان ولا جل شأنه، وكيف لا وملوكهم أماتهم، فهم أبرار بوالديهم، طائعون لولاة أمورهم. وبقية عيشهم على النظم نفسه، فمنهم الحراس، والمقاتلون، والمنظمون، والمدراء، والرحالة، وصانعو العسل، والقائمون على بناء القصر وترميمه، وغير ذلك من العجائب التي تندر أن توجد في مجتمع حي على هذه الأرض، بل قرأت أن نظام العقوبات لديهم على قدم وساق، فيقيمون الحدود على الجناة، ويضرمون التعازير والجنايات، ولا تأخذهم رأفة في المفسدين والمفسدات.
فلو كان النحل له نسب؛ لما رأيت أنه غير عربي أصيل، يجود به نسبه إلى قحطان، أو عدنان. ولو كان الذباب كذلك؛ فلا أظنه غير إفرنجي بغيض، ولو كانت له ملة فهو حتما ليبرالي عبثي، ولربما هو على مذهب شوبنهاور.




من أجمل ما قراتُ اليوم حقاً، هذه المقاله لم تاخذ حقها بسبب العنوان لو كان العنوان جاذب اكتر لكانت تتفجر من التفاعل😔
و كذا الفرقُ بين بيتِ النحلةِ و بيتِ العنكبوت ..