اضغاث أحلام
لم تزل تلاحقني، تلك الكوابيس اللعينة التي لا أجد منها مهربا، ولا مناصا
أضغاث أحلام هي المذكرة الأولى من مذكرات غيهب، وهي مذكرات شخصية، اكتبها من وحي الواقع المرير، لأفهم نفسي، ولأجدني بين السطور واضحا، لعلي أفهمني، وأعرف بغيتي، وعسى أن يخفف ذلك من ثقلها على رأسي، وقلبي. أكتبها لآنس بها، حيث استذكر ما وقع، واحمد الله على انقضاءه، واتعظ حيث يتكرر علي قضاءه، اكتبها من نفسي، إلى نفسي..
لم تزل تلاحقني، تلك الكوابيس اللعينة التي لا أجد مهربا منها، ولا مناصا، في كل يوم، كل ساعة انام فيها، كل لحظة أطبق بها جفناي؛ تظهر لي، ولا زلت أذكر ذلك اليوم، بتفاصيله، اليوم الأول الذي بدأ فيه كل شيء.
وحش
يونيو عام 2024م
الساعة: 12:48 بعد منتصف الليل..
«أراك غدا» قلت.. انصرفت من عملي في ليلة باردة، وتوجهت إلى شقتي الصغيرة، حيث أعيش فيها وحيدا، ما إن فتحت الباب واستنشقت الهواء حتى كادت رئتي أن تنفجر، رائحة البيت! ما أجمل البيت! ألقيت معطفي في الخزانة، وخلدت إلى النوم مباشرة، بجسد مثقل، ورأس يكاد أن ينبثق منه فحواه، وسرعان ما استغرقت في نوم عميق.
كنت أركض بعنف، أهرب بكل ما أوتيته من قوة، المكان مظلم، ولا أرى شيئا إلا بصيص نور ضعيف، كنت في غابة، ألتفت حولي لأجد من يلحق بي، كان بعضهم يقفز فوق الأشجار، وبعض يجري خلفي، حتى وقعت، واختبئت في مكان لا يرونني فيه، وبدأت الملحمة الدموية، كل واحد منهم يقطع الآخر، أرى أشلاء، وأصوات صرخات، ودماء في كل مكان، وكنت أظن الأمر لن يزدد سوءا أبدا، حتى ظهر أكثرهم شراسة، كان قويا، وسريعا، ومخيفا للغاية التي يصل إليها الخوف، شعرت بذلك الخوف في قلبي، كان يمسكهم واحداً تلو الآخر، ويعض بناجذيه على رقابهم ليقطعها، لم يفلت منه أحد، سواي.
قتل الجميع، وبقيت مختبئاً على رأس جبل، أراقبه من بعيد، حتى نظر إلي، وصرخ صرخة عظيمة، وجرى نحوي بسرعة جنونية، إلى تلك الدرجة التي جعلتني عاجزا عن الحراك، وما إن وصل حتى هاجمني، وبدأ بطعني بمخالبه، وكنت خائفا، لكن في لحظة ما اختفى الخوف مني، وتحول ذلك الخوف إلى غضب، غصب شديد، حتى بدأت أنفاسي بالزئير، وشعرت بنبضات قلبي تتسارع، وقمت أقاتله، بعنف، ووحشية لا تقل عن وحشيته، استمر القتال كثيرا، وكل واحد منا يأبى الموت، وأثناءه كنت أنظر إلى وجهه، هذا الشخص بدا مألوفا لي، لم أعرفه، ولكنه ليس غريبا عني، ومتأكد من أني قد رأيته في مكان ما.
انتهى القتال، وجلسنا على سفح الجبل، ولسبب ما كنت بجانبه، الكتف حذو الكتف. كنت خائفا منه، فأتجنب النظر إليه، ولم نزل كذلك، جالسين وكل واحد منا ينظر في الفراغ.
«على ماذا اقاتل؟ مالذي يستحق القتال لأجله؟» قال.
نظرت إليه، كان مطئطئا رأسه إلى الأسفل، وتعلو محياه نظرة يأس، واستسلام، ويكرر «ما الفائدة من كل هذا» جلست أتامل وجهه، ذلك الفم، وتلك العينان، الأنف والأذنان، ذلك الجسد، ذلك الوحش كان مألوفا، أين رأيته؟
كان عاريا، وجلده يكسوه اللون القرمزي، والأرجواني، والأحمر الداكن، مزيج بين هذه الألوان، وكان مليئا بالجراح، ويكرر مقالته. وبطبيعة الحال لم أنبس ببنت شفة، التزمت الصمت المطبق، لأرى مالذي صائر إليه الأمر.
قال لي: «انظر»، وقام بمسك أعضاءه التناسلية، وغرز مخالبه فيها عميقا، واقتلعها من مكانها، بل من جذورها، واستمر بقبض معدته، وفخذه وتمزيق ما يقع في قبضته، وفي كل مرة يفعل ذلك يريني إياها بين قبضته، ويضحك، ثم يلقيها ليتناول أخرى.
كنت أنظر إلى جسده من الداخل، أرى تفاصيل كل شيء، أقسم أني كنت أرى الأوردة والأوعية الصغيرة. جُن جنونه، وقام باقتلاع أحشاءه وجسدها بأسره، بتسارع وغضب مخيف، وصوت ضحكاته وصرخاته تزداد، كنت انظر إليه بتوجس، وخوف ترتعد منه اضلعي.
شهقت، واستيقظت فزعا، جلست على سريري، وكنت أتصبب عرقا، وعيناي جاحظتان، ونبضات قلبي تتسابق، أكان حلما؟ ما هذا الجحيم الذي رأيت! نسيت لحظتها ما الذي كنت قد حلمت به، وحاولت التذكر، لم أنا مرعوب هكذا؟ وفجأة ظهرت في رأسي صورته أمعائه الممزقة، وصوت ضحكاته وصرخاته.
ذهبت لأغسل وجهي، وقد كانت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، أعددت كأسا من الشاي، وجلست على الأرض، لم تزل عيناي التعيستان ذابلتين، ولكن النوم قد هجرني، قمت بطهي وجبة خفيفة، ومشاهدة شيئا ما، لأنسى ذلك المشهد، وبين اللقمة والأخرى استغرق خمس إلى عشر دقائق، كنت طيلة تلك الوجبة شارد الذهن، بعد أن تذكرت الحلم كاملا، بتفاصيله التي ذكرتها لك.
لم أعر ذلك الحلم الكثير، فأنا كثير الكوابيس عموما، اطفأت الأنوار، وعدت إلى النوم، وعندما وضعت جنبي لم استطع معاودة النوم، «لم يكن حلما عاديا، أقسم بذلك، لم يكن، بل هو رسائل يجب تفكيكها، يجب أن تفهم، يجب عليك ذلك!» احدث نفسي بهذا طيلة الليل، ولم أنم إلا بعد طلوع الشمس.
«غيهب، غيهب، غيهب!!» قال زميلي في العمل.
«نعم…» قلت.
«ما بالك؟».
«اعتذر، كنت شاردا الذهن، ولم استطع النوم البارحة».
«لم تنم؟ وما الإشكال في ذلك، انظر إلي لم أنم منذ يومين، ولا أزال نشيطا» كان يقولها ببهجة لا أعرف سببها.
«ما رأيك أن تحتسي القهوة؟» قال.
«نعم، من فضلك، قهوة فرنسية بالبندق» قلت بصوت مرهق.
خرج وهو يردد «لقد عرفت سبب إرهاقك، إنه الحب! أنت واقع بالحب يا غيهب! لقد كنت أشعر بذلك مسبقا».
عاد وبيده قهوتي المفضلة، قهوة فرنسية بالبندق من بارنز، إنها الألذ قطعا. وطلب مني الخروج لأخذ استراحة في الحديقة التي أمامنا إن احتجت إلى ذلك، فرفضت وبقيت في مكتبي.
لم أزل أفكر، في ذلك الشيء الذي كان يطاردني، وبعد تأمل وتفكر، استطعت فك شيء من مراميز ذلك اللغز.
«لقد كان الوحش أنا! وكيف لم انتبه! إنه أنا، ولكن مما أهرب؟ تبددت الصراعات التي أواجهها، في حياتي، وفي نفسي، لقد كنت طيلة الوقت هاربا مني، أحرق نفسي بالعمل والقراءة، وفي أشياء تافهة أخرى، لأغض الطرف عن الأهم، وهو أنا، بطل قصتي كان جريحا طيلة الوقت، وكنت أتجاهل ذلك، لم تكن تلك الوحوش التي تلحق بي سواي، كل واحد منها كان شخصية أتنكر بها في الماضي، حتى قضى عليها ذلك الدموي، الذي رأيت في عينيه الوحشية، وانسلاخ الرحمة، كان يحركه الغضب، والانتقام، ولكن كان ينتقم مني، من شخصياتي التي كنت أدعي أنها أنا، لعله كان يجسد (جلد الذات).
لم استطع التغلب عليه، ولكن استطعت مقاومته بانتقام، وحقد، وغضب مثله، عندما صرت متوحشا قاومته، وتعادلنا في المعركة، ولكن أحقا كان تعادلا؟ ألم تكن هزيمة حيث أني صرت مثله؟ بلى، إنها كذلك، ولذلك لم يقضِ علي، ولم يقتلني، لأنه بالفعل قد هزمني.
ولكن، لماذا توقفت رغبته بالانتقام، وسيطر عليه اليأس والاستسلام؟، لماذا بدأ بقتل نفسه؟ ألسبب يرتبط عندما بت متوحشا مثله؟ أم أهي رغبات دفينة أجهلها؟ لا أدري.
نعم، لا أنسى عدد المرات التي كنت على وشك قتل نفسي بها، ولا يوقفني إلا تذكر أن الإقدام على هذا الفعل سيؤدي إلى عذاب أشد منه، فغاية ما أصنع هو نقل المعاناة».
مرفوض
لقد كنت منذ البداية -أعني ذلك الوقت الذي بدأت به بالتعرف على نفسي- ؛ غير متقبل لها، لست راضيا عليها، على الرغم من احتفاء الناس بي منذ الصغر، كأول حفيد ذكر يحمل اسم العائلتين، عائلة أبي، وأمي. وكطفل ذكي تتعلق آمال البعض عليه، ومع ذلك غدوت شابا يافعا ولا زلت أبحث عني.
وتستمر زوبعة رفضي لنفسي، تستمر رغم ثناء الناس، تستمر رغم يقيني بكوني ذا كفاءة علمية كبيرة، وذو قامة رفيعة جديرة، ومع ذلك لازلت أحتقر نفسي في السر. والسؤال الذي لم يزل يدور في خاطري: لماذا أصر على أرفض نفسي؟
ولادة جديدة
كان دخولي إلى الفضاء الرقمي؛ بمثابة ولادة جديدة أتاحت لي إعادة خلق نفسي من جديد، ولم أزل منذ ذلك الوقت انتحل مسميات، وهوايات، واهتمامات مختلفة، نعم لم أغرب كثيرا، فقد كان أول حساب لي باسم «سراب»، وكنت كاتبا روائيا، أكتب بعض الروايات في مواقع مختلفة، وكانت تنال إعجاب خمسة أشخاص أو ستة.
ولا تلبث كل نفس انتحلها سنة أو سنتين حتى أحذف ذلك الحساب، واحكم على تلك النفس بالهلاك، والاختفاء المفاجئ، ثم تولد نفس أخرى اختبئ خلفها، حتى وصلنا إلى غيهب، ولا أزال بانتظار موته، لأرى، من سيحل مكانه؟
كان مما يساعدني على تعدد الشخصيات هذا: تعدد االاهتمامات، ولم أكن أجد مكانا أكون به على حقيقتي كما أنا، بجميع شخصياتي المختلفة، ثمة جدار عظيم يحول بيني وبين ذلك، لا استطيع القفز من عليه، ولا خرقه، ولا زلت أبحث عن بابه. فليس الأمر مرتبطا بخوفي من المجتمع، أو كلام الناس ونحو ذلك، ولكنه أمر نفسي شخصي بحت، أرفض ذلك في قرارة نفسي جدا، ولا أعرف السبب، وأيضا لا أجد مبررا لمجابهة نفسي للقضاء عليه، فبكل الأحوال: مالذي سيختلف؟ لاشيء.
قدوة بائسة
يبلغ أخي غير الشقيق ثمانية أعوام، ومنذ أن رآني أول مرة أحبني، وبات يقلدني بكل شيء أنا فاعله، حتى وشاحي الذي كنت ارتديه، في كل مرة القيه جانبا، كان يلتقطه ويلفه على رقبته، ويمشي به، كنت أضحك من تصرفاته، كان الصغير يأمل أن يغدو كأخاه، وأقول في نفسي: «كم سيستغرق الأمر حتى يشعر بخيبة الأمل عندما يعرف حقيقة أخوه؟».
مع مرور الوقت وجدتني أشعر بنفرة منه، أتجنب النظر إليه، والتحدث معه، وأشعر بنوع كراهية تجاهه، أتأمل نفسي لأفهم سبب ذلك النفور، ولم أفهمه.
لم يكن يتصف بصفات تجعلني أكرهه، فقد كان طفلا لا أكثر، وكان مهذبا، ويعبر عن حبه لي بخدمتي، والمبادرة إلى طاعتي، وتكلف التصرف مثلي. ولكن لم أفهم، لماذا هو بالذات أشعر بهذا نحوه؟
عرفت الجواب مؤخرا، بعد أن حيرني لأشهر، وكان الجواب: لأنه كان يشبهني. ففي الحقيقة لم أكن أكرهه، ولا أنفر منه، بل كنت أكرهني، وأنفر مني، وعندما وجدته يشبهني رغبت بالهرب منه، والابتعاد عنه، لأنه يذكرني بنفسي، بل أجده مرآة لي. وفي كل مرة كان يقلدني بشيء، أقول في نفسي: «أرجوك توقف، لا تكن مثلي، أرجوك».
وطبع سيء أتصف به قهرا: إن كرهت أحدهم؛ لا أستطيع النظر إليه، أبدا، مهما حاولت، مهما قسوت على نفسي، حتى لو عفوت، وأصفحت عنه، لا استطيع.
ولكن مع ذلك لا أشعر أخي بهذا الأمر، واستمر بملاعبته، ولكنني أشفق عليه، أن يقلد رجلا بتعاستي، وقد يكون خيرا مني، بل هو كذلك، وأما أنا فلا استحقّ أخا مثله. ولو كان أكثر نضجا لعرف أني من يجب أن أقلّده، وأصبح مثله، ولكن العمر له أحكام. أتمنى عندما يكبر أن يعدل عن ذلك، وأن يجد طريقه الخاص، والاقتداء بغير التعساء البؤساء.
مواصلة الهروب
منذ أربعة أشهر إلى اليوم، عادت تلك الكوابيس ولم تفارقني، تختلف في تفاصيلها، ولكن جميعها كنت فيها مُطاردا، أهرب بخوف، ولا أعرف مما أنا هارب منه، ولماذا.
عادة ما يبدأ الحلم بالهروب، جماعات كثيرة تلاحقني، اختبئ، ويظهرون من العدم، كانوا يجدونني دائما، كلما التفت ورائي وجدتهم، وينتهي الحلم غالبا وأنا بين أيديهم، تحت وطئة التعذيب، فأستيقظ هلعا، وقد أستيقظ على صوت مناجاتي، وطلبي المساعدة هامسا.
ذلك الصراع الأزلي الذي لم أفهمه، ولم أعرف سببه؛ كان يلاحقني في كل مكان. ولا أعرف لماذا في كل معركة أخرج منها خاسرا. والخسارة في كل مرة تتفاقم، وتتنوع.
مؤشرات
عندما بلغت الخامسة عشرة كانت مؤشرات الاكتئاب بدأت بالظهور علي بشكل ملحوظ، ومفاجئ، بدأ سواد ما في قلبي بالانتشار، وانطفاء تام في نوره، جميع الرغبات تبددت، والأحلام والطموح اندثرت، وبدأت أسعى لتدمير نفسي بنفسي.
«لاتنسى، الخميس موعدنا!» يؤكد قائد فريق كرة القدم الذي ألعب فيه، لحضور مباراة مهمة في تلك الجولة. أكدت له حضوري بحماس.
وقبل الموعد بيوم: اتصلت به وقلت: «مرحبا، اعتذر عن حضور اللقاء، وأغلقت الاتصال». في ذلك الوقت بدأت الرغبات بالتلاشي، وكذلك الاهتمامات، الهوايات، التطلعات، كل شيء بدا لي سخيفا، ولم أكن أجد معنى من كل هذا. ولم يمضِ أسبوع حتى قمت بالانسحاب من الفريق، وترك تلك الرياضة إلى اليوم. ولم أندم على ذلك.
وبالواقع ولا أدري إن كنت قد ذكرت ذلك أو لا، ولكنني لدي القدرة على التخلي عن أي شيء في أي وقت، مهما كانت منزلته في قلبي. ولا اظن لذلك سبب سوى أن حالي انقلب بعد أن كان خلاف ذلك بتاتا، فقد كنت شديد التعلق بالأشياء، والأصحاب، والأحباب، وأحزن على فراقهم حزنا شديدا، ويهمني ذلك هما بليغا، وفي فترة من الفترات، توالت علي الفرقات، وحدة تلو الأخرى، حتى صرت في نهاية الأمر أحرص على عدم التعلق بأحد، وما صاحبت أحدا، أو امتلكت شيئا؛ إلا وكان استعدادي لفراقه أقوى من استمتاعي بقربه، فصارت النفس معتادة على هذا التخلي والترك؛ لهذه البواعث.
في ذلك الوقت كنت قد اشتريت جهاز اللعاب، وكنت سعيدا به، لكن، لم يمضِ على شراءه ثلاثة أشهر حتى قمت ببيعه، واقتناء بعض الكتب بثمنه. ولا أزال أذكر ردة فعل زميلي في المدرسة آن ذاك، إذ اتصل بي وقال «أترغب باللعب؟».
«نااه، لقد قمت ببيعه، وشراء زاد المعاد لابن القيم» قلت.
«زاد ماذا؟»
«المعاد، زاد المعاد لابن القيم، كتاب يتحدث عن…»
«هل فقدت عقلك!» قاطعني.
وحقيقة أني تأثرت حينها، لأنه لم يعرف عنوان الكتاب، وذلك لانه لا يقرأ، ولم أكن أعرف رجلا يقرأ في ذلك الوقت، وكنت كالغريب في داره، وأتمثل بقول الشاعر:
وما غربة الإنسان في بعد داره *** ولكن في قرب من لا يشاكله
من لا يشاكله: أي لا يشابهه.
بذرة الغرس
ولا أذكر قارئا سوى رجل كان يسمى عبدالهادي، كان طبيبا، وهو من أعاد إليّ نهم القراءة، تعرفت عليه وكنت بذاك السن حسبما أذكر، بين الرابعة والخامسة عشرة، بينما كان يكبرني بعشر سنوات كما أظن، التقيت به عندما كنت في حديقة صغيرة، وكان يجلس مع أخته خلف طاولة صغيرة، يبيعان «ورق العنب»، وكان يقول: «لا أبيع ذلك لحاجتي للمال، وإنما اختي ترغب بذلك كنوع تسلية، وتعلم على التجارة».
كانا يأتيان في كل جمعة، وكنت تقريبا كذلك، فلم تكن تلك الحديقة تبعد عن منزلنا شيئا، وفي ذلك الوقت حببت إليّ الخلوة، فكنت أتردد إليها، أجلس، أو أتمشى دون غاية سوى إيناس نفسي.
كانت أخته فيما أظن تكبره سنا، مما سهل علي التواصل معه، ولم تكن تشكل حاجزا بيني وبين أخيها، فلو كانت من سني لكان التواصل معه أصعب. فقد يظن هو أو غيره؛ إنما أتحدث إليه لأتقرب من اخته، وكما قال الشاعر:
ولا مُلقٍ لذي الودعَاتِ سَوطي *** أداعبهُ، وربتهُ أريدُ
يمدح الشاعر نفسه ومروءته، بكونه لا يلاعب الأطفال الذين أمهاتهم معهن، خشية أن يقول الناس: إنما داعبته لتتقرب إلى أمه.
وذا الودعات: هو الطفل، والودعات جمع ودعة، وهي الخرز الذي يلعب به الطفل. وسوطي: هو السوط المشهور، كانت العرب تحمله، كالسيف. وربته: يريد ربة الطفل، وهي أمه، والرب في اللغة السيد المطاع، والمصلح للشيء، القائم عليه، كما قال لبيد:
وأهلكن يوما رب كندة وابنه *** ورب معد بين خبت وعرعر
ويريد برب كندة: سيد كندة. وليعذرني القارئ على كثرة الاستطرادات، فإني أكتب على سجيتي، مرتجلا، وكلما انقدح معنى في ذهني كتبته دون تكلف، إلا لو شذ عن الموضوع شذوذا لا يرقع، فإني أعدل عنه، وهذا المكتوب «مذكرات شخصية» لا رسالة علمية يتحتم علي الالتزام بموضوع البحث وعدم الحياد عنه، وفي نهاية المطاف تبقى «شخصية» فلي أن أكتب فيها ما أشاء، وأنت مخير بين القراءة، أو تركها، دون أن تملي علي شيئا، أو أن تتأفف فتقول: لا تخرج عن السياق!.
وبالمناسبة حيث قلت «أعدل عنه» لفظة (عدل) من الكلمات القليلات في اللغة التي تطلق على المعنى وضده، فهي تطلق على: العدل، بالمعنى المتبادر للذهن من إعطاء الحق ونحوه، وتطلق على الظلم، وكذلك الترك، يقال: عدلت عنه، أي تركته، وعدلت له، أي أعطيته حقه، وعدلت به، أي ظلمته. ولا أذكر شعرا من ذهني يؤيد ذلك الآن.
أين كنا؟ نعم، كنت أقول أني كنت أشتري من عبدالهادي أحيانا، ومع كثرة المرور عليه؛ وقع لي شيء من الألفة إليه. وقال لي مرة: «إني لأجدك تجيء إلى هنا، وتجلس، أو تمشي بمفردك، ولا أجدك مع صحبة، ولا تختلط بمن في هذا المكان، فما سر ذلك؟».
فقلت «ليس هناك سر يخفى حتى يذكر، ولكن الأمر ومافيه أني أمقت كل من في هذا المكان، بل وكل الناس، والحياة عموما، وكذلك نفسي، وإنما أجيء إلى هنا للاسترواح، ودفعا للضجر».
«حتى أنا تمقتني؟» قالها ضاحكا. فلم أجد ما أجيبه به.
«ولمَ تمقت الناس؟» سألني
قلت «لم أجد سببا لحبهم، ووجدت أسبابا لبغضهم، عامة هؤلاء الناس حمقى، انظر إليهم ذكورا وإناثا، كل واحد منهم يسير في طلب الآخر، ويعرض نفسه عرض البائع لسلعته، ليغريه بها، انظر إلى الشباب لتجد حثالة الناس يتسكعون بكلابهم، طلبا لجذب الأنظار إليهم، انظر إلى ذلك الرجل والسلاسل تقيد رقبته وساعده، انظر إلى ذاك الأحمق الذي يرقص مشغلا أصخب الموسيقى المزعجة في هذا المكان العام، انظر إلى النساء كيف حالهن يرثى لها، انظر إلى تلك كيف تربط الحبل على خصرها، لتبرزه، وتمشي حول الرجال تنشر عطرها، وإلى تلك وصديقتها التي تمشيان ضاحكتان، باديتان زينتهما للحثالة والسكارى، كيف لا أمقت مجتمعا سيطر عليه اليأس هكذا؟ هل ترى يا عبدالهادي يأسا أشد من هذا؟ أجبني! هل ترى تعاسة أكثر من تجوف الإنسان وفراغه النفساني، حتى بات يبحث عمن يكمله من هذا الجنس والنوع والرداءة؟ هل ترى أتعس من تسليع الناس لأنفسهم؟ أما أنا فلم أرى.
وناهيك عن هذا كله، فالعالم كله يتمحور ويتقوقع على هذا القالب، هذا العالم لم يعد مكانا صالحا للعيش، قويه يقتل ضعيفه، وكبيره يأكل صغيره، حتى علاقة الوالدين بولدهما، إنما هي علاقة استغلال محض، وكم سمعت ورأيت ذلك بأم عيني، وأنا الآن أعرض عن ذكر تفاصيله، ولكنني رأيتها، وعايشتها.
يستغل الأكبر الأصغر في جلب مصالحة، ودرء مفاسده، وكأننا في هذه الحياة خلقنا للاستعمار والاستعباد، وكأنه كتب علينا الشقاء من تلقاء أنفسنا، وإلا فما الغاية من كل هذا؟ مالذي يجعل المرء ينتقل بين العبوديات تنقلا؟ ما الغاية من هذه الحياة أصلا؟
حتى أبهى ما يصبو إليه المرء فهو ذاهب، فلا اللذات باقية، ولا الشهوات شافية، ولا العبرات كافية، حتى الزواج، والارتباط العاطفي بالجنس الآخر، بخلاف ما يقوله أبي في كل مرة يتغامز وأصحابه، فيقولون لي: ألا تريد الزواج بصبية حسناء؟ فأقول: أرغب بالموت وحيدا. فيقولوا: لن تبلغ العشرين إلا وقلبك يتفتق عندما يرى النساء.
وأنا يا عبدالهادي إلى الساعة على قراري هذا، وموقفي نفسه، ما الغاية من الزواج؟ وهل له غاية سوى ما يقع من لذة الجماع التي تنقضي بساعة؟ ثم مالذي يأتي بعده؟ بناء أسرة؟ لا تبنى الأسر في عالم غير مستقر، لا تبحث عن استقرار في عالم متهالك، ولو أنجبت في هذه الدنيا سأعتبر نفسي مرتكبا لخطيئة عظمى لا تغتفر، ولـمَ آتي بهم إلى دار الفساد والرذالة، ليعايشوا ما عايشت، ويذيقوا مرارة ما قد ذقت!؟ تبا لهذه الدنيا اللعينة، ولست من أولئك اللإنجابيين الحمقى، ولكن الأمر إني أشفق عليهم، وأخشى أن يسنح في خلجاتهم، وأن يقولوا كما أقول في نفسي: لماذا أنجبني أبي! ».
كنت أحدّق بالفراغ عندما قلت هذا، وهو جالس بجانبي، انتهيت من الكلام، وعم الصمت قليلا، ولا ألومه على صمته وحيرته، بسبب هذا القدر من السوداوية التي تقبع في فكر وقلب طفل في الخامسة عشرة.
وجه لي عبدالهادي حينئذ أكثر سؤالاً قد يكون في محله «مانوع الكتب التي تقرؤها؟».
قلت «أحب القراءة، ولكن منذ سنوات لم أقرأ شيئا، وإن كنت تقصد بذلك عن مصدر ما ذكرت لك، وتسأل عمن أثر بي، وجعلني أعتقد هذه الاعتقادات؛ فالجواب هو أني اعتقدتها بعد تفكر وتأمل ونظر في هذه الدنيا، التي لم أعايش منها إلا قليلا».
صحبني إلى سيارته، وأعطاني بعض الروايات، وقال لي «هذه هدية لك، اقرأها، واستمتع» أعطاني كتابين أو ثلاثة. وعندما عدت إلى البيت شرعت بقراءتها.
اختفى عبدالهادي، ولم يعد يآتي ولا أخته إلى ذلك المكان بعد ذلك، ونسيت أن آخذ أي وسيلة تجعلني على اتصال به، وفقدت أخباره، وأضعت آثاره، ولا ألومه إن كان ذلك بسببي، فالمكان لم يكن يحتمل بسبب الحمقى، فكيف بمجنون سوداوي بينهم!، وربما استيقظ وتنبه على شدة قذارة هؤلاء الناس، من كلامي، فهجر المكان.
قبل سنة من الآن وجدت وسيلة أتواصل بها معه صدفة، فألقيت السلام عليه، وأخبرني أنه قد صار طبيبا في المستشفى العسكرية في مدينة في الجنوب، وسألني إن كنت لازلت اتمتع بتلك الرؤية السوداوية، فضحكت وقلت له «وأكثر سوادا».
كان عبدالهادي أول رجل اصطدمت به في تلك المرحلة السوداوية، وكان قارئا، ولم يشكل كونه قارئا في فكري شيئا يذكر، ولكنه أعاد لي حب القراءة، ومنذ ذلك السن لم انقطع عن القراءة، وبعد ذلك حصل ما تقدم، من بيعي لجهاز الألعاب وشرائي بثمنه بضعة كتب وإلخ.
تلك المرحلة كانت بذرة السواد، والغرس لشجرة البأس، ولا أعرف سببها إلى الآن، اتهمت نفسي أول الأمر، وقلت ما أنا سوى ضحية لتغير طبائع الجسد ومكوناته في هذا السن، حتى انضج قليلا، فيستقر عقلي. ولكن إن كان الأمر كذلك: فلماذا لم أزل على هذه الحال منذ ذلك الوقت؟ بطبيعة الحال اتسمت بالنضج أكثر، وتصححت بعض الأفكار، وتغيرت بعض القناعات، وربما اكتسبت بعض السوداوية بقالب آخر. ولكن ما بواعث هذا كله؟ وهل الجواب عن هذا سيعني شيئا؟ فلا زلت في هذا الصراع.
انتقام
عندما ذكرت لك ماوقع من رفضي لنفسي، واختفائي تحت أسماء مستعارة: لا تفهم منه أن موجبات ذلك هو ضعف النفس، وقلة الثقة، ونحو ذلك، ولو كنت قد فهمت ذلك مني: فلم تفهمني، أو لم أوضح لك الأمر جيدا.
فسبب الرفض هو الرغبة بالانتقام، والكراهية، والعدائية العنيفة لنفسي، وهذا الذي لم أفهم بواعثه ومولداته، وأسبابه وموجباته، فمنذ معركتي الأولى: كانت معالم انتقامي مني بارزة جلية، كالشمس صحوا لا سحاب دونها.
كنت، ولا زلت أسعى في تدمير هذه النفس، والانتقام منها، وطي ذكرها، وجعل الناس تنسى أني قد ولدت، ولكن ليس إلى ذلك سبيل، ومع ذلك فقد سخرت حياتي لهذا الغرض، فبات شغلي الشاغل، وعملي الدائم، أن اقضي علي. ومن يدري، لعل جميع المرات التي وقفت فيها على الحافة، لا يفصل بيني وبين الموت إلا قيد أنملة، أو نسمة هواء عابرة: كان سببه التخلص من هذه النفس، وانتقامي مني.
ولكن يبقى السؤال: إن كنت انتقم مني، فمن أنا؟ وهل هذه النفس سواي، وهل يكون القاتل سوى المقتول، والكاره هو المكروه، والمعادي هو المعادى، والظالم هو المظلوم! إن كنت سأقتلني يوما؛ فلأجل ماذا؟ ما الذي أريد إحياءه بقتلي، إن كنت أريد الانتقام مني بهلاكي؛ فما الذي تعنيه نجاتي، وكيف يتحقق لي ذلك؟
لم أعد افهم مالذي جعلني أصل إلى مرحلة بت أتساءل فيها بجدية: من أنا؟ ولكن فهمت أو لم أفهم فحقا لم أعد أدري من هو أنا، ومالذي أسعى إليه، وكيف الخلاص من ذا وذا.
حلم
لم يكن لغيهب الكثير من التطلعات في حياته، فمنذ البداية كانت أحلامه يسير، وتطلعاته أيسر، بينما كان الأطفال يحتاروا في مستقبلهم، فمن يرغب بأن يكون طبيبا، أو مهندسا، أو محاميا، وغير ذلك.
كان غيهب يقف، ولا يجيب بشيء، وربما أجاب بشيء عشوائي دفعا لكثرة الأسئلة، ولكن عند الجلوس بيني وبين نفسي كنت أتساءل لماذا ينبغي علي فعل كل هذا؟
كان ولا زال حلمي أن أموت مبكرا، ولكن إن عشت: فأرغب بأن أعيش وحيدا، وعندما يصل عمري إلى الخمسين أكون في شقة صغيرة، وبها شُرفة، استيقظ صباحا لأشرب الشاي عليها، واجلس فيها ممسكا بيمناي كتابا، وباليسرى تتدلى سيجارتي، لن أهتم حينها لبقية الأمور التي سأقوم بها بنفسي قطعا، دون حاجتي إلى أحد، وقد ذكرت هذا المعنى مرارا لأشخاص كثر، فمنهم الضاحك، والباكي.
وكلما تقدمت في السن كلما كنت أؤكد هذا المعنى، وانتظر أقرب فرصة لتحقيق هذه الرغبة، لأني أزعم أن فيها الخلاص، فلقد كنت منذ اليوم الأول وحيدا باختياري، اخترت الوحدة، وهجرت الصحبة والخلطة، متعمدا، فلا يظن ظان أني وحيد لترك الناس لي، فيدخل في قلبه مقدار ذرة من شفقة، بل اخترت الوحدة بنفسي، لأنها أصلح لي. وأعلم أن الوحدة والخلوة لن تطفئ هذه المعركة، ولكنها ستجعل الخصوم أقل، والأعداء أجلى، وحينها سأتفرغ لها.
قد عشت مناضلا في هذه الحياة، محاربا لنفسي، مسالما لغيري، ولو كان الاستسلام ينهي الصراع، ويضع السيف عن الذراع؛ فسأجعل عنقي لهذا قربانا، وأخنع منتظرا السيف البتار، الذي يقطع به رقاب الأحرار، لأكون قد عشت حرا، ومت حرا، لاعنا هذه الحياة، كارها لها، فرح بفراقها.
لأكون قد مت بحثا عن السلام الذي لم أهنأ به يوما، ولكن سمعت به دوما، ولو كان السلام متجسد في كفن، داخل لحد، تحت الأرض؛ فيا أيها الأرض سارعي بضمي إليكِ، عسى أن أنام يوما هانئا بين يدكِ، أنام ولا اخشى الغد، وما ستفعل بي نفسي، وما تتوعدني به، وغيري، من باب أدنى. ولن أخشى ظلماء قبري حينئذ، وهجر الخليقة لي يومئذ، وإنما الخشية خشية الأوزار، والرجاء رجاء بالرحيم الغفار.
ومنذ بداية القصة: لم يكن لي صديق في السر، ولا عدو في العلن.
غيهب
١/٦/٢٠٢٥م








