اختر مقعدك لبقية حياتك
ألم تلاحظ شيئا؟ كل ما جرى لك كان باختيارك، واتخاذك لذلك القرار، هل عرفت عن أي قرار أتحدث؟ حسنا دعني أعيدك إلى السادسة من عمرك، حيث تحمل حقيبتك لتبدأ يومك الدراسي الأول، اترك الأقلام والدفاتر المرصعة بالرسومات والألوان، وحماستك لتجربتها، أنت أمام قرار مفصلي، ستدفع ثمنه لبقية حياتك.
«اختر مقعدك الدراسي»، هو هذا القرار، ولكن كيف يكون اختيار مقعدي قرارا بذلك الحجم؟
دفترٌ وقلم
دعني أعود إلى الخلف ست عشرة عاما، في يومي المدرسي الأول أخذتني أمي إلى المدرسة، وأدخلتني غرفة المدير لتخبره باستعدادي لبدأ الدراسة، طلب منها المغادرة، ووعدها بأنه سيتكفل في إيصالي إلى الفصل.
كان يوما صاخبا بحق، فالكثير من الأولاد في بكاء وعويل، لخوفهم بذهاب والديهم، وأما أنا فلم أكن خائفا، بل متعجبا، ما هذا كله؟ أعني المدرسة، أما بكاءهم فلم استغربه، فقد سألت والدتي حينها لم البكاء؟
فقالت: “هم جبناء، وأما أنت فرجل!”
“رجل، نعم أنا رجل!” ولكن لم تكفي معالم الرجولة حينها لتكف استغرابي المكان.
ذهبت أمي، وأمسك المدير بيدي وأخذني إلى الفصل."الصف الأول - شعبة أ" قرأت ذلك على الجدار. توقفنا عند عتبة باب الفصل وألقى التحية على المعلم، وقال هذا طالب جديد. دفعني المدير للدخول، وطلب مني الجلوس.
فنظرت إليه، وقلت: أين؟
فقال: حيثما شئت، ولكن حبذا لو جلست في المقدمة.
أخذت نظرة خاطفة على الفصل وإذ به ينقسم إلى ثلاثة أقسام تقريبا، القسم الأول: الذين هم في المقدمة، ملابسهم نظيفة، أقلامهم ملونة، ويرتدون النظارات، معالم الاهتمام بهم واضحة. والقسم الثاني: الذين هم في المنتصف، ولم أفهم موقفهم ولا منصبهم، فبعضهم نائم، وبعضهم يرسم على الطاولة، فلم أحسن تصنيفهم حينها، ولكن لم يكونوا من المقدمة. قولا واحدا، والقسم الثالث الذين هم في المؤخرة، وحالما نظرت إليهم بدت علامات الشغب ظاهرة عليهم، فملابسهم متسخة، وشعورهم غير مصففة، ولا أقلام ملونة معهم، وكان احدهم يمسك برقبة آخر. وأما أنا فقد كنت ارتدي النظارات، وأقلامي ملونة، ومظهري مهذب، فلا شك من اختياري المقاعد الأولى.
عالمٌ صغير
أثناء العام الدراسي تبين لي أني مصيب بهذا الفرز، فنحن الذين كنا في الطليعة: نتنافس على المركز الأول، وليس المراكز الأولى، بل الأول تحديا، كانت حربا باردة يقودها صبيان في السادسة، والذين في المنتصف قضوا العام نيام، بدرجات متوسطة، وأما الذين في المؤخرة فقتالهم على السلطة لاينتهي، فكلٌ يحاول اثبات هيمنته على الفئة المتوسطة بيننا، وأما نحن الذين في المقدمة؛ فلم نتضرر منهم بشكل مباشر، لا لحبهم لنا، بل لوجود مصالح متبادلة، فنحن نقدم لهم المساعدة في الواجبات، وعدم الوشاية بهم للمعلم جراء شغبهم، وهم كانوا يقدمون لنا الحماية، فكنا نحن أقرب للسلطات، وهم المجرمون الذين ننتفع منهم غالبا، وأما الذين في المنتصف فهم المواطنون التعساء، ليسوا في قوة المجرمين، ولا في سلطة العارفين.
في ذاك العام لم أشكل أي صداقات، بل ولا في الأعوام الخمس القادمة، فلم تكن الخيارات المتاحة جيدة، فالأذكياء هم منافسون لك فحسب، والمتوسطون لم يكونوا مثيرين للاهتمام، والمجرمون: مجرمون، وأدوات لنا فقط، وكثيرا ما ينقلبون عليك، فلم تكن العهود تستمر طويلا.
استمر نمط الدراسة هذا إلى الجامعة، وبعد الجامعة في المنشئات التي عملت بها، بل وحتى في بيتي، وفي الشارع، وفي كل مكان، دائما هذه القسمة الثلاثية حاضرة، سلطة، قوة، ومجموعة لا ينتفع منها.
في أي قسم أنت؟
مقعدك الذي اخترته كان البذرة لتكوين ماهيتك التي أنت عليها الآن، فعامة الذين كانوا في المقدمة هم الناجحون الآن، والذي في المؤخرة لم يكملوا دراستهم، وأما الذين في المنتصف فهم عامة المجتمع الذي يكابد الحياة، وغالبا ما تجده بلا عمل، أو في عمل ليس بذاك الشيء، وإذا حضر في مجالس الناس لا يقام إليه، ولا يحتفى به كثيرا، لأنه “عادي” بخلاف حضور من كان في الصفوف الأولى، فغالبا ما تجده في وظيفة مرموقة، ويرحب به. وطبعا كلامي هنا بالعموم، وإلا فلا يخفى عليك وجود حالات غير هذه، وربما تكون العكس.
مصالح محضة
ولتكن في الصورة: لا يحب الناس الناجحون لذواتهم، بل لقدر ما ينتفعون منهم بنجاحهم، وقد يكون هناك حب غير مشروط، ولكن الحب والود الاجتماعي لا يقوم على ذلك، بل يقوم على المصلحة المحضة، وهل هذا شيء سيئ؟ بالواقع لا وجود لنوع آخر، فالمصالح المتبادلة ليست قسيمة لحب بلا مصالح مثلا، بل هي الأصل، ولا شيء غيرها، وسبب ذلك أن كل محب يأخذ من محبوبه ما جعله داعيا ملازما لحبه، وهذه الدواعي قد تكون مصالح مادية، وهي الأكثر مع الغرباء، وقد تكون مصالح معنوية، وهي الأكثر في الأقرباء. فإن قلت: ما القول في حب الأم لولدها، والولد لأمّه، والوالد لولده، والولد لوالده، والصاحب لصاحبه، والعاشق لمعشوقه؟
الجواب باختصار كالقول في حب غيرهم لغيرهم، فحب الأم لولدها حب غريزي، ولكن هذه الغريزة مصلحة كذلك، بل الغريزة بذاتها مصلحة للجسد، وحب الأم لولدها إنما يكون بدوافع الشعور الذي يضفي لحياتها معنى، وغاية، ورؤية، فالشعور الذي يمنحه الطفل لأمّه ليس بأقل مما تمنحه هي، فشعور كونها امرأة جيدة من أعظم دوافع الأمومة، والولد كذلك، حيث يحب أمه لتوفيرها له الحضن الدافئ والطعام والشراب، وكذلك حب الوالد لولده، فلا تتجاوز مسألة كونها متمما للإرث، حاملا للاسم، والولد لوالده لتوفيره القوة والمال ونحو ذلك، وعموما علاقة الولد بوالديه والعكس كلها تبنى على غريزة البقاء، ولذلك نجد محاولة الوالدين في حمايته ورعايته مستمرة حتى ينضج، فإن نضج حمل الراية عنهما، وأكمل مسيرتهما.
بل حتى قبل ذلك، لو تمعنت في شأن الشهوة الجنسية، هي ليست بأكثر من محاولة البقاء، ودافع التكاثر المحض، وإن كانت تغلف بالآلاف من الأعصاب والشعيرات الدقيقة التي تجعلها شعورا فيه من اللذة مافيه، كل هذا بدافع غريزة البقاء، ولذلك تجد أن العقل قد جُبِل على هذه الممارسة دون وعي، وكأنه تحت التخدير، أو تأثير الثمالة والسكر، فترى الزوجان في تلك العلاقة الفائضة بالمشاعر المنتشية؛ يدفع كل واحد منهما الآخر بطرق جنونية إلى إتمام الأمر، وفور انتهاءه تتلاشى تلك اللذة تماما، ولا يبقى سوى إدراك أنهما قد نجحا في استدعاء بشري جديد، انتهت النشوة، وزال مفعول التخدير، ومرحبا بك في درك الشقاء يا ولدي.
نافذة
هذه النافذة التي وقفنا عليها أنا وأنت عزيزي القارئ؛ تطل بنا إلى الداخل، داخل رأسي، فهذه الأفكار والرؤية التي أرى بها العالم ليست أفكارا متبناة، بل هي أفكار أصلية، وحيثما وافقت قول غيري فهي من قبيل تواطؤ الأفكار، ولست مقلدا لأحد بها. وتذكرت شيئا اختم به حديثنا، قبل بضع سنوات كنت جالسا مع محمد، ولو كنت قارئا قديما لي ستعلم من هو.
كنا في سكن الجامعة جالسين في الغرفة، فقلت له: والله حال الدنيا عجيب.
فقال: لم؟
قلت: للتو كنتُ أقرأ عن بومة الجحر، بومة تعيش في جحور الأرض ولا تقوى على الطيران، ولا وسيلة دفاع لها، ومع ذلك تهرب منها الأفاعي!
فقال: كيف؟
قلت: عندما يقترب منها مفترس تصدر أصواتا مشابهة لأصوات حيوانات مفترسة يخافها هذا، فيهرب منها خائفا.
فقال: سبحان الله، ولكن ما العجيب؟
قلت: هذا حال الدنيا، ألا ترى الضعيف يقلد القوي فيما لم يجعله قويا؟ فهذه البومة حينما قلدت صوت الأسد هي لم تصبح بقوته، ولم تقلده بما أصبح به قويا فقلدته لأجله، كشجاعته مثلا، بل قلّدته فيما خافت به منه، وهذا تجده في المجتمعات الضعيفة، فالدولة أ هي الأقوى عالميا كما تعلم، والدولة ب ليس لها من القوة ما للأولى، وبدلا من تقليد ب لـ أ بطرق القوى؛ باتت تقلدها في معالمها الظاهرة، كالفجور التي تمارسه، ظنا منها أنه الموجب لهيمنتها.
فقال: هل قرأت مقدمة ابن خلدون؟
قلت: لا
قال: هذا الذي قلته عين ما قاله ابن خلدون
قلت: ولكن لا يعني أني أخذته منه
قال: بالطبع، ولكن الحكمة تلاقت.
الحقيقة منذ ذاك الوقت تأكدت من براعتي في علم الاجتماع، على الرغم أني لا أعرف عنه سوى اسمه، والشاهد من هذه القصة: لا أدري إن كان أحد الفلاسفة الحداثيين الذين ابغضهم قد قرروا شيئا مما ذكرت، ولكني ليست مقلد لهم. وهذه الرؤية التي اطرحها ليست على وجه الضرورة التزامها الصواب في نفس الأمر، فقد أكون متوهما، وضحية لسوداوية فكرية، أو تجارب مريرة، ولكني اعتقد صحتها عموما، حتى يتبين لي خطأها.
وفي الختام أطرح عليك سؤالا: هل اخترت مقعدك الصحيح؟ وأين تجلس الآن؟
وكتبه: غيهب
9/7/2025 — 14/1/1447 — 5:45pm





