قال أبو تمام الطائي: تذاكرنا فى مجلس سعيد بن عبد العزيز الكلام وفضله، والصمت ونبله، فقال: ليس النجم كالقمر؛ إنك إنما تمدح السكوت بالكلام، ولا تمدح الكلام بالسكوت، وما أنبأ عن شىء فهو أكبر منه.
وسمع الجاحظ من يقول أن الصمت أنفع، وأفضل من الكلام، فتعجب من ذلك وقال: «كيف يكون الصمت أنفع من الكلام، ونفعه لا يكاد يجاوز صاحبه، ونفع الكلام يعمّ ويخصّ والرواة لم ترو سكوت الصامتين، كما روت كلام الناطقين؛ فبالكلام أرسل الله تعالى أنبياءه لا بالصّمت، ومواضع الصّمت المحمودة قليلة، ومواطن الكلام المحمودة كثيرة، وبطول الصّمت يفسد البيان. وكان يقال: محادثة الرجال تلقيح لألباتها.
وذُكر الصمت فى مجلس سليمان بن عبد الملك فقال: إنّ من تكلّم فأحسن قدر أن يسكت فيُحسن، وليس من سكت فأحسن يتكلّم فيحسن». ( 1)
قلت: ومفاضلتهم بين الكلام والصمت باعتبار جنس الشيء لا بأفراده، فإن جنس الكلام أفضل من جنس الصمت، ولكن الصمت خير من الكلام. وقد روي في ذلك أخبار كثيرة، كقول كعب: العافية عشرة اجزاء، تسعة منها في السكوت.
وحسبك في هذا الباب ما قال أبو العتاهية:
إنّ كانَ يُعجبكَ السُكوتُ فإنهُ
قد كانَ يُعجِبُ قَبلَكَ الأَخيارا
ولئِن نَدِمت على سُكوتي مَرّةً
فلَقَد نَدِمت على الكلامِ مِرارا
إِنّ السُكوتَ سَلامَةٌ ولرُبما
زَرَعَ الكَلامُ عَداوةً وَضِرارا
ولعمرو بن بذينة:
إِنّي لأنطُقُ فيما كانَ مِن إِرَبي
وَأُكثِرُ الصَمتَ فيما ليس يَعنيني
وأما ما نقله القيرواني عن الجاحظ في قوله: "وبطول الصّمت يفسد البيان". فهو حق، وقد ذكر الجاحظ في البيان والتبيُن شيء من ذلك، حيث قال: «وقال أبو عبيدة: إذا أدخل الرجل بعض كلامه في بعض فهو ألف، وقيل بلسانه لفف. وأنشدني لأبي الزحف الراجز:
كأن فيه لففا إذا نطق *** من طول تحبيس وهم وأرق
كأنه لما جلس وحده ولم يكن له من يكلمه، وطال عليه ذلك، أصابه لفف في لسانه. وكان يزيد بن جابر، قاضي الأزارقة بعد المقعطل، يقال له الصموت، لأنه لما طال صمته ثقل عليه الكلام، فكان لسانه يلتوي، ولا يكاد يبين. وأخبرني محمد بن الجهم أن مثل ذلك اعتراه أيام محاربة الزط، من طول التفكر ولزوم الصمت. وأنشدني الأصمعي:
حديث بني قرط إذا ما لقيتهم
كنزو الدبا في العرفج المتقاربِ
قال: وقال ذلك حين كان في كلامهم عجلة. ( 2) انتهى كلام الجاحظ.
. ومعنى قوله : «كنزو الدبا في العرفج المتقاربِ» ليستقيم الفهم، وباختصار:
النزو: الوثب والقفز
والدبا: صغار الجراد
والعرفج: نوع شجر
ومعنى البيت إجمالا: إن حديثهم كقفز صغار الجراد على الأشجار، يصطدم بعضه ببعض، ويتداخل، ولا تكاد تفقه لقولهم.
الجمع بين الجميع
والاختلاف في آراءهم ظاهر، فمنهم من فصل الصمت، كأبي العتاهية، وكعب، وغيرهما، ذكرهم البُستي في روضة العقلاء، ومنهم بل كثير منهم؛ فضل الكلام على الصمت، كالجاحظ، وأبي تمام الطائي، والحصري صاحب زهر الآداب.
وأنا أرى أن كلامهم لا خلاف فيه، وذلك أن جميعهم يفضلون الكلام على الصمت، بشروط، منها: أن يكون مباحا، ونافعا، فصيحا، مبينا، فإن اختلت أحد هذه الشروط؛ حكم على الكلام بالحكم المطابق لحاله.
إثراء معرفي
بما أننا استدللنا بكلام الجاحظ؛ أشير هنا إلى خطأ يقع فيه من يقع، من الأدباء والمحققين، والقراء وغيرهم، وهو أنهم يسمون كتاب البيان والتبين، بالبيان والتبيين! وهذا خطأ! والصواب هو البيان والتبين، كما في المخطوطات العريقة، والنسخ النفيسة، وهو ما ذهب إليه عبدالسلام هارون، ولا عبرة بمن خالف في هذا، من الدور التجارية، وأصحاب الألسنة الأعجمية.
فإن قلتَ: كيف اختاره عبدالسلام هارون ، وفي تحقيقه له عنونه بالبيان والتبيين؟
قلتُ لك: هذا سؤال قد أجاب عنه المحقق نفسه، في كتابه «مذكرات أدبية» ، ونصّ ذلك:
السؤال: سمعتكم تقولون البيان والتبَيُّن، وقد كان المتداول في اسم الكتاب هو "البيان والتبيين" فما تفسيركم لذلك ؟
فأجاب عبدالسلام: هذه ملاحظة وجيهة بلا ريب ، وأنا معك في أنّ المعروف المتداول في اسم الكتاب هو " البيان والتبيين " – بياءين – ولكن طبيعة الأمور ترى أنّ هذه التسمية لا تتمشى مع المنطق ، فإنّ البيان هو التبيين بعينه ، ونحن نربأ بالجاحظ أن يقع في مثل هذا العيب في تسمية أشهر كتبه وأسيرها.والدارس لهذا الكتاب يرى أنه ذو شقين متداخلين :
الشق الأول: هو ما اختاره الجاحظ من النصوص والأخبار والأحاديث والخطب والوصايا ، وكلام الأعراب والزهّاد ونحو ذلك ، وهو يعنيه الجاحظ بكلمة " البيان " .
والشق الثاني: هو النقد الأدبي في صورته المبكرة ، فللجاحظ في هذا الكتاب نظرات فاحصة في نصوصه ، وفي الكلام بصفة عامة ، تسمى بعد ذلك بفن "النقد" ، فهذه النظرات والقواعد التي ساقها الجاحظ هو ما عناه بكلمة "التبيُّن" .
هذا من ناحية ، وهناك ناحية أخرى تاريخية وثائقية فإنّ النسخ العتيقة من هذا الكتاب –وقد أثبتُّ صورتها في تقديمي للكتاب– تقطع بأنّ عنوانه هو "البيان والتبيُّن" وهذا ما يجده القاريء بوضوح في مصورة مخطوطة كوبريلي المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم ( 4370 أدب ) ، وتاريخ كتابتها هو سنة 684هـ ، وكذلك نقرأ هذا العنوان بوضوح في مصورة مخطوطة مكتبة فيض الله ، وهي في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية تحت رقم ( 887 ) وهناك بحمد الله صورة منها ، وهذه النسخة مكتوبة بخط أبي عمرو محمد بن يوسف بن حجاج اللخمي . وقد قرأها على الإمام أبي ذر ابن محمد بن مسعود الخشني في سنة 587 هج، وكتب هذا الناسخ أنه وجد في آخر السِّفرالذي نسخ منه الثلث الثالث من هذا الكتاب ما نصه : "كتب هذا السفر ، وهو مشتمل على كتاب البيان والتبيُّن نسخة أبي جعفر البغدادي ، وهي النسخة الكاملة ، فتم بعون الله وتأييده في غرة ربيع الآخر من سنة سبع وأربعين وثلثمئة ". أي بعد وفاة الجاحظ بمدة لا تزيد على 92 سنة . وسأُعيد هذه التسمية الصحيحة إلى نصابها في الطبعة الخامسة إن شاء الله تعالى . انتهى كلامه.
قلت: ومما يدل على ذلك أيضا ؛ تعريض الجاحظ بهذه التسمية في كتابه في أكثر من موطن وموضع، ومنها: قوله في مقدمة الكتاب: «لأنَّ مدار الأمر على البيان والتبيُّن، وعلى الإفهام والتَّفهُّم».
و في موطن آخر قال: «قال صاحب البلاغة والخطابة، وأهلُ البيانِ وحُبُّ التبيُّن: إنّما عاب النبي صلى الله عليه وسلم المتشدقين والثّرثارين».
انتهى
12/ذو القعدة/ 1446هـ
2025/5/10م
وكتبه: غيهب
زهر الآداب للقيرواني 3/736
البيان والتبين 1/33




عظيم