حقيبة مفقودة في دمشق
مطاردة في ليلة باردة.
تهب الرياح بنسيم بارد، حاملة رائحة أوراق الشجر التي سقطت عند تراكم الغمام، نزول الأمطار، أغصان الأشجار اليتيمة، اللون الأبيض الذي يكسو المكان، والكثير من المعاطف، والقبعات الصوفية، وأيضاً… الكثير من الوحل في الطرقات، هكذا أعلن الشتاء أنه قد أتى.
عكر صفو هذا الهدوء بكاء إخوتي الصغار وصرخاتهم التي هي أشبه بمحكمة غربان خريفية، لا يبرح هؤلاء الصبية أن يخلقوا لأنفسهم شجاراً من العدم، آه! كم يحتاج هؤلاء إلى قاضٍ يحكم بينهم! أو قليلاً من التهذيب فحسب..
حسناً، لم يعد المكان مناسباً لاحتساء كأس شاي دافئ، وقراءة كتاب ما، ولأكون دقيقاً لم يكن أي كتاب، بل كتاب “الغريب” لألبير كامو، اشتريته منذ يومين، ولم أقرأ سوى ثلثه، ولكن الآن؟ لم يعد الأمر ممكناً لقراءته في خضم هذه المعمعة. لذلك قمت وارتديت معطفي الجديد، الذي أنا به فرحٌ أشد من فرح أكاكي أكاكييفيتش بمعطفه، كما في رواية “المعطف” لنيكولاي غوغول. فمعطفي شتوي، ولعل قماشه من الصوف أو لا أدري ما الذي تسمى به هذه الأقمشة، ولونه مزيج بين العسلي الداكن، والبني الشاحب، كما أنه أنيق، ودافئ، وبه كثير من الجيوب الخفية، ويغطي ركبتي. ارتديته، وألقيت وشاحي الأسود حول عنقي، على سترة وبنطال أسودين، ونظارتي الذهبية، وها أنا مستعد للمغادرة.
حسناً تبقى أن أحزم حقيبتي لأخرج، فتحتها، وبدأت بوضع كراسة صغيرة، وكتابي، وقلم رصاص، وقلم حبر جاف أسود، وآخرٌ سائل، ومسطرة، وممحاة، وبعض المناديل، وعبوة عطر صغيرة، وسماعة أذن، وشاحن محمول، وأسلاك شحن. رتبت الجميع فيها، وأغلقتها بتمهل، وبدأت أنظر إليها من الخارج، إنها جميلة! حقيبة يدوية، جلدية سوداء، تلمع بانعكاس النور عليها بلمعة مميزة. وارتديت حذائي الجلدي الأسود، وقمت بتلميعه أيضاً، وها أنا ذا، أستطيع الدخول إلى قاعة رئاسية بهذه الحلة، وهذه الأناقة الباهرة.
وقفت على جانب الطريق أنتظر الحافلة التي تقلني إلى المكان الذي سأقضي خلوتي فيه، وأمارس فيه طقوسي بكل هدوء، وبالفعل، لم أطل الوقوف حتى وصلت، فصعدت، وجلست بجانب النافذة. واستغرقت الرحلة ضعف الوقت الذي تستغرقه عادة، فقد كان الطريق مزدحماً، وفي حالة هلع، واضطراب، وكأن الساعة قد قامت!
وصلت بشق الأنفس إلى المحطة، بعد ثرثرة السائق، التي لا أحب ذكرها هنا لأنها ثرثرة فارغة، وكان الرجل مهذاراً بحق، لدرجة أني رغبت بلطم فمه ليخرس، وكنت أقول في نفسي: إن لم يكن عندك ما تقوله؛ فليس عليك الحديث، لا بأس التزم الصمت فحسب، ليس ذلك معيباً! حسناً أخذت حافلة أخرى لأصل إلى المكان المنشود، وجلست أنتظر عشر دقائق حتى تمتلئ الحافلة بالركاب، لينطلق بنا، وكان ذلك الوقت طويلاً للغاية، إذ كان يجلس أمامي رجل عجوز يتسخط من الحالة الاقتصادية في البلاد، وكانت وجهة نظره غبية متشائمة، ومتعجرفة أيضاً، فحاولت تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة، ولكنه أبى، وكأنه يقول: أنت بعمر أحفادي، وتريد أن تعلمني! لا لا، هذا غير مقبول، أنا المصيب هنا فحسب، فأقفلت الحديث معه مباشرة، حيث وضعت حقيبتي على الأرض جانبي، وبدأت بتصفح هاتفي، وبعد خمس دقائق رأيته نائماً، مسنداً رأسه على النافذة، التي كانت تهتز وترتجف بسبب الطريق الذي تخللته الحفر، والحجارة.
ولأن رحلتنا هذه كانت بطيئة بسبب الزحام أيضاً، قلت للسائق: أرغب بالنزول عند كذا وكذا، هل هناك طريق مختصر؟ فقال: نعم، انزل الآن، واتجه يميناً، وسر بشكل مستقيم، وستصل إليه خلال خمس دقائق فقط، فقلت: وهذا أقرب من المحطة التي ستقف فيها؟ قال: بالطبع. فقلت: إذن أنزلني. فأوقف الحافلة في منتصف الطريق، بشكل غريب، وقال: بسرعة! حسناً، سأنزل تمهل! وقفت، وحاولت النزول مسرعاً، متجنباً تعجيل السائق، وأبواق السيارات خلف تلك الحافلة، وبالفعل، أصبحت في الشارع، والآن علي التوجه إلى ذلك الطريق لأصل إلى وجهتي، فوضعت يديّ في جيبيّ معطفي، ومشيت، وبعد خمس دقائق من السير؛ عرفت الحي الذي أنا فيه، حي من أحياء دمشق القديمة، حيث المكتبات على مرأى العين، والكتب ملقاة على الأرصفة، وكنت -كعادتي- أنظر إلى عناوين الكتب أثناء مشيي، فوقعت عيني على دفتر جلدي أزرق، ويبدو جميلاً، ولكنه كبير الحجم قليلاً، فأخرجت يدي اليمنى ووضعتها على جيب المعطف الذي يلي صدري، لأتلمس دفتري الصغير، ولم أجده… تذكرت، لقد وضعته في… حقيبتي؟
تسمرت في مكاني لوهلة، ونظرت إلى كلتا يدي في جيبي، مهلاً مهلاً! أين حقيبتي؟! لقد نسيتها في الحافلة! شعرت بالدم يجف في جسدي، وبدأت بهرولة أنيقة، نحو الشمال، حيث قد أتقاطع مع الحافلة إذا حالفني الحظ، وكان الازدحام على حاله. وصلت إلى تلك المحطة، ونظرت حولي، لأجد عشرات الحافلات، بل المئات منها! وجميعها يتشابه، جميعها! كلها! سائرها! نسخة واحدة لُصقت هنا! والذي يزيد الأمر سوءاً؛ أن لها مسارين متعاكسين، فعيني على الطريق الأيمن تارة، وعلى الطريق الأيسر تارة أخرى. فقلت: على هذه الحال لن أجدها أبداً، فوقفت على الرصيف الذي يقسم الطريق نصفين، فأراقب الحافلات القادمة، والمغادرة. ولكن كيف أعرفها؟ أجريت فرزاً تمتاز به الحافلات عن بعضها، الحافلات ذات الإشارة الحمراء هي التي تنتقل من تلك المحطة فقط، حسناً، هذا سهّل علي قليلاً، ولكن لا يزال هناك العشرات منها. السائق؟ كيف كان مظهره؟ نعم، تذكرت، لقد كان شاباً، ذا لحية كثيفة، ويرتدي سترة سوداء.
إذن، حافلة ذات علامة حمراء، سائقها شاب ذا لحية، يرتدي الأسود، حسناً، هذا جيد. وقفت أراقب جميع الحافلات، ولكن الغروب قد أسدل ستار الظلمة، فأصبحت إنارة الشوارع أشد، وذات انعكاس قوي على نوافذ المركبات، فلا أستطيع تمييز أحد، وهذا مربك. خلال عشرين دقيقة: لم أرَ غير كبار السن خلف مقود الحافلات، ولا أثر لأي شاب بتلك الصفات، وهذا يعني أنه قد تجاوز هذه المحطة، وانتقل إلى المحطة التالية، وهذا ما يعني أنه سيستغرق ساعة كاملة على أقل تقدير، وهنا لو تلاحظ أني لا زلت على أمل أن الحقيبة لم يأخذها أحد الركاب خلسة.
مضت نصف ساعة، ولا بصيص أمل إلى الآن، حتى رأيت حافلة يقودها سائق تطابق الصفات التي أذكرها! فأشرت له بالوقوف وجريت نحوه، فقلت له: هل ركبت معك منذ قليل؟ فقال: من أين صعدت؟ فتلعثمت، وضربت جبيني أمامه، وقلت: المحطة الأولى. فنظر إليّ الرجل، وشعر أن هناك خطباً ما، فقال: ما الذي جرى؟ قلت: حقيبتي، لقد فقدت حقيبتي، ففتح الباب، وقال انظر هل هي هنا؟ فلما نظرت إلى المقصورة؛ لم تكن الحافلة نفسها، ولم أجد أثراً للحقيبة، فقلت: لا، أعتذر منكم. فغادرت، وعدت إلى منتصف الطريق مجدداً.
وبعد قليل رأيت أحد الحافلات متوقفة، فذهبت إليها لعل السائق يساعدني في عملية البحث، فلم ينفعني بشيء، رغم محاولته. مضت ساعة على وقوفي هنا، وبدأ الأمل يتلاشى أمامي، وشعرت أني لن أجدها أبداً، وعلي تقبل كوني فقدتها، فغادرت المكان بكل يأس وهدوء. ولكن… شعرت أني سأعطي الأمر فرصة أخيرة، لعلي أجدها. فعدت إلى الموقف ذاته، وأصبحت أصارع ضوضاء الطريق، وسرعة الرياح، والأضواء العالية، وبدأت أشعر بالدوار حينها.
ولكني أوقفت حافلة أخرى، على الرغم أن السائق لا يشبه ذلك السائق، ولكني قلت: هذه الحافلة الأخيرة التي أتفحصها، هذه آخر واحدة. أوقفته وكان يسير مسرعاً، هارباً من الزحام، ففتح الباب، وقال هيّا بسرعة، ولم يكن سوى مكان لراكب واحد، وكانت خلفي امرأة عجوز تدفعني لتركب بدلاً عني، وعندما فتحت الباب، لم أدخل، وبقيت واقفاً أنظر إلى الزاوية التي جلست فيها، فنظر إليّ السائق، والركاب، والراكب الذي كنت أحدق بقدميه دون أن أنتبه إلى وجوده حتى. فقال السائق: ماذا؟ فقلت: لقد فقدت حقيبتي، هل رأيتها؟ فقال: أهي حقيبة سوداء صغيرة؟
وفجأة وكأن الشمس قد أشرقت! نعم! سوداء صغيرة، جلدية، نعم! هي! فقال: أوه، حسناً… أعطني رقمك لأتصل عليك إذا رأيتها. فقلت: أتسخر مني؟ ظننت أنها معك! ولكن مهلاً كيف عرفت أنها سوداء؟! قلت ذلك في نفسي، ثم بعدما رأى ضيق الوقت، والازدحام، قال: أتدري، ما حاجتي برقم هاتفك؟ خذ رقم من أخذها مباشرة، فقلت: نعم! وأثناء تدويني لرقمه، ولشدة تشتتي وإرهاقي الذهني؛ كان بعض الركاب يعيد علي الأرقام، فلم أكن أفهم منه شيئاً، فأقول: ماذا؟ فيقول بعض الركاب: قال: سبعة، خمسة، ثلاثون. وأثناء ذلك كنت أقول: الذي أخذها؟ من أخذها؟ كيف ذلك؟ وكيف لديك رقم هاتفه!؟ حسناً أنتهيت من تسجيله، وغادرت الحافلة.
اتصلت به مراراً، ولكنه لم يجب، وجلست أكرر ذلك حتى رد علي، فقلت: حقيبتي، أنا… أنا الذي ركبت… حقيبتي السوداء، أهي معك؟ فقال بهدوء: نعم، الحقيبة معي. وأين أنت؟ كيف أصل إليك؟ هل ستعود إلى المحطة، أم أنك أنهيت العمل؟ فقال: واقعاً أنا لست سائقاً، ولست من ركب معه، أنا أخذتها فقط لأحفظها. أيمكنك المجيء إلى المنطقة الفلانية؟ فقلت: نعم، سأصل إليك خلال دقائق. وقفت في الموقع الذي اتفقنا عليه، أمام أحد البنوك الفرنسية تحديداً، ثم بعد عشر دقائق وصل شاب، يظهر أنه مهذب جداً، ويبدو أنه طالب جامعي، ولما رأيت الحقيبة في يده شعرت وكأن ماء الزلال انسكب على كبدي، وارتسمت على وجهي ابتسامة مرهقة، حمداً لله…
ألقيت التحية عليه، وأخذت الحقيبة منه، وبدأت بالتأكد من محتوياتها، وأثناء ذلك، ومع شكري له؛ سألته: كيف وصلت إليك هنا؟ فقال: لقد وجدتها عندما صعدت إلى الحافلة، فسألت السائق عنها، فقال: أعطني إياها. فقلت له: ولماذا أعطيك إياها؟ قال: لعل صاحبها يعود. فأعطيته رقمي، وقلت: إن عاد فدعه يتصل بي. وحملتها معي، لأحفظها لك لا أكثر.
وأثناء حديثه شعرت بأنها خفيفة جداً، وتبين أن جميع ما فيها قد اختفى، غير الكتاب والكراسة والقلم. فظهر على وجهي امتعاض وأنا ممسك بها، وأنظر فيها، فقال: هل… فقدت شيئاً منها؟ فقلت: نعم، فقدت كذا وكذا، فقال: لا أدري، وجدتها هكذا، ولم أفتحها حتى. فصدقته، لأنه لو كان سارقها لما فعل كل هذا، وكما قلت: لا يظهر عليه أنه سارق حتى، فهو ولد مهذب جداً، ولو كانت لديه نية السرقة؛ لما أعطاه رقمه، ولا أجاب على اتصالي، ولم يأتِ إلي. فأمارات السرقة منه خالية. أكان السارق السائق؟ أم أنها تلك العجوز التي جلست بجانبي؟ ربما هي! فلا يسع السائق الالتفات لسرقة شيء وهو يقود حافلته تلك. ولكن كيف استطاعت أن تفتح الحقيبة، وتتفحصها، وتخرج أثمن ما فيها وتعيدها؟! ولم تسرق الكتاب! صدق من قال: السارق لا يقرأ، والقارئ لا يسرق!
تفرقنا، وذهب كل واحد منا في طريقه، وذهبت لأشتري بعض الأغراض التي سرقت، ولأعود إلى ذلك المكان الذي قصدته ابتداءً، على الرغم من تأخر الوقت، ومضي ساعتين ونصف في مطاردة الحقيبة. وبالفعل وصلت إلى وجهتي، وكانت مقهى عتيقاً، قديماً، لا يدخله إلا قليل من الناس، إنارته صفراء هادئة، وجميع من فيه كبار سن، ولا يقدم سوى الشاي، أو القهوة التركية، أو الأعشاب، وأنا معتاد على زيارته يومياً، لأجلس على الطاولة نفسها ذات الرقم الحادي عشر، وتقع في زاوية المقهى، متوارية عن الناظرين، هناك أخرج كتاباً، والأقلام وألقيها على الطاولة بترتيب معين، وأطلب من النادل الطلب ذاته، كأس شاي، بثلاث ملاعق من السكر، وعلبة ماء، هكذا أصنع دائماً، ولكن لم يحالفني الحظ هذه المرة، فقد استولى على طاولتي عجوز آخر، وقلت في نفسي: ما بال العجائز اليوم!؟ أيصابون بالجنون في هذا التاريخ!؟
فجلست على الطاولة الخامسة والعشرين، وكانت سيئة، إذ يجلس خلفي رجال كثيرون، وعن يميني، ويساري، وأمامي؛ الكثير منهم! ما الذي يجري؟ لماذا هم كثيرون اليوم؟ ولماذا أشعر وكأن الجميع ينظر إلي؟ هنا تظهر خلجات النفس، وتبدو مكنوناتها الدفينة، فليس وكأني في عملي أخرج فألقي الكلام على أربعمائة رجل في آن واحد، وجميعهم ينظر إلي، وأرمقهم بنظرة حازمة، وكأني جبل أمام حجارة صغيرة! ولكن عندما ينتهي عملي، وأعود إلى قوقعتي؛ تعود إلي مشاعر العزلة، وحالة الانطوائية الشديدة، التي تجعلني أرغب بالتواري عن الأعين فحسب.
طلبت الشاي، وأنهيت قراءة آخر كتاب لهذا العام، أعني عام خمس وعشرين وألفين، وكان الكتاب: “قصة مدينتين”، ولم أكمل كتاب “الغريب” حتى الآن.
بعد قليل جاءني النادل يقول: الحساب من فضلك، سنغلق مبكراً الليلة. ما الذي تقوله بحق الله! حسنا! أعطيته حسابه، وقمت بإعادة متاعي في حقيبتي، ووضعتها في كيس، وقلت: لن تفلتي مني بعد اليوم، ولن تصاحبيني أبداً! وسأحكم عليك بالسجن الأبدي في زنزانة لعينة، فلست مضطراً لمخاطرة أخرى.
وهكذا قضيت آخر ساعة من هذا العام، ليلة الخميس تحديداً. والذي يصادف اليوم نفسه الذي طُردت فيه من عملي السابق، أعني عام أربع وعشرين وألفين. والذي سُرق مني اليوم؛ كان جُلُّه من ذلك المتجر الذي كنت أعمل فيه! وكأن عامي بدأ وانتهى بانتشال كل ذكرى لي من ذلك المكان، على الرغم من حبي له.
ليلة الجمعة 1/1/2026



