سيارة أجرة في منتصف الليل

عندما كنت صبياً؛ كان لدي اعتقاد ما عما يحدث في العالم بعد منتصف الليل، كنت أظن أن البشر الذين يخرجون في هذه الأوقات غير البشر الذين أرى؛ أناس غرباء، وسيئون، ولديهم سلطة غريبة تخولهم الخروج في هذا الوقت المحرم، وأعتقد أنه اعتقاد شائع لمن كان ينال العقوبات إن لم ينم في الثامنة مساءً. والآن، بعد أكثر من خمس عشرة سنة؛ أظن أني كنت مخطئاً نوعاً ما، فليس كل أولئك الغرباء بهذا السوء.
خرجت من عملي بعد صلاة العشاء باحثاً عن طبيب ما، يعالج ما أصابني في الأيام العشرة الأخيرة، إذ بسبب ذلك، بدأت أشعر بألم في القلب، ألم شديد، وقد تجاهلته في الأيام الأولى، ولكنه بدأ يتفاقم. في البداية كان قلبي وكأنه ينكمش، أعني أحس بالألم على هذا الوصف أحياناً، ثم أصبح النبض يزداد بشكل غريب، ثم بدأت أشعر بضيق التنفس، والإرهاق بعد أدنى مجهود، كالمشي، أو الحديث حتى، كما صاحبه تنمل في الوجه والجسد، ثم وأخيراً؛ بدأت كل هذه الأعراض تلازمني، بعد أن كانت تأتي عَرَضاً، فبتُّ طوال الوقت أعاني منها. ولما رأيت ذلك، وشعرت وكأني أُعدُّ فراش الموت لي؛ قلت: لعلي أزور طبيباً.
ولكن، ولأني خرجت في هذا الوقت المتأخر؛ لم أجد طبيباً بطبيعة الحال، وقد اعتدت على ذلك، أعني: كون دمشق تنام مبكراً، على خلاف ما عهدته في نجد، المملكة التي لا تنام. غيرت وجهتي إلى محل يبيع الشاي، وجلست أحتسي كأساً منه، ولم أدرك إلا وقد انتصف الليل إلا قليلاً، ولم أكُ أصنع شيئاً، سوى شرب الشاي، والنظر في الطاولة. ولما انتبهت إلى أن الساعة بلغت الحادية عشرة؛ هرعت إلى الخروج كي أدرك ما تبقى من حافلات النقل العام، فالحياة دون امتلاك مركبة سيارة تجبرك على أحد خيارين: إما الانضباط التام بمواعيد البلاد، وإما أن تنتهج مذهب ابن بطوطة، وتجوب البلاد مشياً طوال الوقت.
خرجت لأقف عند أقرب محطة، وانتظرت لمدة ثلاث ثوانٍ، حتى رأيت سيارة أجرة قد اقتربت مني، وبدأت أفكر أني سأدفع خمسة أضعاف ما أدفعه للحافلة إذا ركبت فيها، فقلت: تباً للمال، ولماذا أنا أعمل إن لم أنفق!؟ وتباً للحافلة التي لن تصل. صعدت إلى السيارة، التي كان يقودها رجل في أواخر الأربعين ربما، فقد كانت الأحياء مظلمة، والسيارة كذلك، غير إنارة صغيرة في سقفها، تتقلب ألوانها بين الأحمر والأرجواني، وينعكس طيفها على شيب لحية الرجل الذي صعدت بجانبه.
سألني بعد ثوانٍ من صعودي معه: أأنت طبيب؟ فقلت: ماذا؟ لا، فقال: هل أنت شيخ؟ أم طالب علم؟ أم تلميذ أم… فقاطعته قائلاً: لا… أنا أستاذ، ولكني لست أستاذاً في مدرسة، بل في وزارة… هل أبدو كطبيب؟ الحقيقة أني أبحث عن طبيب، ثم قصصت عليه ما أجد، فقال: لقد توقف قلبي مرتين، هل تريد أن أحدثك بذلك؟ فقلت: طبعاً، تفضل.
قال: قبل بضع سنوات، أجريت عملية استئصال في الأردن لفتاق في معدتي، وبعد العملية بساعتين طلبت من الطبيبة أن تأتيني بسيجارة وكأس قهوة، ورفضت بطبيعة الحال، ولكني أكدت عليها أني بصحة جيدة، ورفضت مجدداً. وأثناء حديثنا طلبت أن تقيس ضغط الدم، فمددت لها ساعدي، وأشعلت الجهاز لتنظر فيه، ولكن… لم يكن هناك ضغط أبداً، كان الجهاز يعطيها طنيناً، وخط النبض واقف تماماً. جحظت عينا الطبيبة، ونظرت إلي، وبادلتها النظرة مستغرباً، وقلت: ماذا؟ غادرت الطبيبة، وعادت بجهاز آخر لتقيس الضغط مجدداً، ولكن قلبك… لا ينبض؟!
دهشت المرأة مما يجري أمامها، وقامت برسم علامة الصليب، فكما يظهر أنها كانت راهبة، وهرعت تستنجد بالأطباء. فلما أتى الطبيب الذي أجرى لي العلاج؛ قال: سيدي… أتسمعني؟ فقلت: نعم، قال: أعرفتني؟ فقلت: نعم، أنت الذي عالجني قبل ساعتين، ماذا بكم! فقال: أنت ميت! قلبك لا ينبض. وأخذتني الحمية، فقلت: أنت الميت! وبعد محادثة معه، قَبِلَ أن يعطيني سيجارة، متمرداً على سلطة المستشفى والوزارة، وأخبرته بقصتي؛ كيف أن زوجتي ألقت عليَّ الأولاد، وتركتنا، وغادرت، وبقيت أربي ولديّ بنفسي، وقلت: أيها الطبيب… لا أستطيع الموت الآن، فولداي ينتظرانني، وليس لهما غيري بعد الله… لا أستطيع الموت.. واستمررت بالحديث حتى بكى الطبيب، وقال: ستخرج غداً، ولكن… إياك أن تموت، لا تمت أرجوك! كان يقولها وهو يجهش باكياً. وكانت هذه إحدى المرات التي توقف فيها قلبي، وانظر إلي، لا زلت حياً.
توقفت المركبة، وقد وصلت إلى وجهتي، فوضعت يدي في جيبي لأتناول المال، وقلت: تذكرني بوالدي، وبنفسي، ولكني على عكسك؛ فأنت لم تستطع الاستسلام والموت، وأنا… كنت سريع الانهزامية، وكثير طلب الموت. ثم شعرت أنه من الأدب أن أبادله الحديث بشيء مما وقع لي، وربما كنت أحتاج للكلام فحسب، فحدثته بقصتي على وجازة، بل لعله فصل من قصتي، ذلك الفصل الذي صدع جدران قلبي وهشمها منذ صغري… وأدى لأن أكون “الغيهب” الذي أنا عليه…
فلما انتهيت من الحديث، نظرت إليه، وكانت عيناه تدمعان، والبكاء على باب أهدابه يقف، فقلت له: هوّن عليك، فلدي سبب أعيش لأجله الآن، وعندما أنتهي منه؛ سأستسلم ربما، وربما أواصل القتال فحسب.. أمضينا نصف ساعة على طرف الطريق نتحدث، على الرغم من وصولي إلى وجهتي، وانتهاء رحلتي، إلا أني أكننت الحب لهذا الرجل، فقد فتحت له صفحة بكى منها، فكيف لو… حسناً، أعطيته المال بعد رفضه الشديد، وغادرت المركبة، وأثناء إغلاقي الباب قال: هل أنت متزوج؟ فتوقفت لوهلة، وساد الصمت الموقف، ثم ابتسمت، وقلت: كلا، فأعطاني رقمه، وقال: عندما ترغب بالزواج، اتصل بي، لدي فتاة تصلح لك. شكرته على ذلك، وغادرت، وكنت أقول في نفسي: هل هذا صك غفران ما؟ أولسنا نخفي ضعفنا ليحبنا الناس؟ كيف باتت المكاشفة، والتجرد من أي لباس زائف؛ تصنع العكس؟
أكان يرى جانباً مني غير الذي أرى؟ أكنت ضحية في نظري، وبطلا مقاتلا في عينيه؟ حسنا، لعل مخلوقات بعد منتصف الليل ليست بسيئة، بل لعلها مناضلة، كهذا الرجل مثلاً.
ولكن… كم رجل يتألم كهذا حولي ولا أعرف عنه شيئا؟ الجميع يتحرك بصمت، ولا يسمع أنين قلوبهم غير خالقهم، إدراك هذا صعب، فسماع الألم، غير معايشته، ونحن كبشر لا نتصور حياة غير حياتنا، فكل من حولنا أقرب إلى أجساد خاوية بلا أرواح، نحن الشخصيات الرئيسة، وأما الآخرون فلعلهم تكملة عدد فحسب.



يكفي ماكتبت ايها الشاب!!
فأنا أقرأ في آخر الليل
ودموعي تنتظر فقط فتح الباب..
لم يكفي بالرجل الكبير ان يشعر بمشاعرك ..
بل ودخل في قلبه مودةً لك..!
ما أعجب الإنسان...
شلون اوصل هل مرحلة من الفصاحة؟