غرام مضمحل
نظرة على العلاقات الغرامية الرقمية.
عصفورة
الناظر المتأمل في الأحوال النفسانية، والمدقق المتمعن في الطبائع الإنسانية؛ لا يستطيع تجاوز ما يقع بين الجنسين من ألفة، ولا أعني هنا مجرد التآلف المحض، بل ما زاد على ذلك، من عشق، وارتباط وتعلق لا انفكاك بعده إلا بِشق الأنفس، وهذه الإرادات التي تدفع بصاحبها إلى الآخر؛ مما فطر عليه الإنس، بل هي فطرة كل ذكر وأنثى، حتى من الحيوان، وقد شهدت من ذلك أحوالا عجبا، وأقص عليكم من ذلك شيئا اتفق لي.
« عندما كنت طالبا في المرحلة الابتدائية: اشتريت عصفورة صغيرة، من فصيلة البلابل، سوداء الرأس، بيضاء الخدين، رمادية البدن، بيضاء الصدر، صفراء العجز.
اعتنيت بها، واحببتها بحق، وتعلقت بي تعلقا شديدا، تعلقا لم أكن لأظنه ليقع بين مخلوقين مختلفين، وكانت ترحب بي ترحيبَ الحبيب لمحبه، وشاء المولى أن يُقطع أحد طرفيها، فصارت بقدم واحدة، وآسفني ذلك، وآلمني جدا، وبت بخدمتها ورعايتها حتى استعادت عافيتها، وعلى غرار الطيور الأخرى فقد كانت تنام مستلقية على بطنها، أو ظهرها، في عش من صوف صنعته لها، وكان منظرها جميلا، جميلا لتلك الدرجة التي ترغب بقطع رأسها من شدة لطافتها، وكنت كلما استيقظت ليلا لأشرب الماء؛ اذهب إليها، وعيناي مليئتان بالنعاس، لكن أريد الأطمئنان على محبوبتي، لا أكثر. فأجدها نائمة، فابتسم ابتسامة العاشق الصب.
ولا أستطيع تجاوز عدد المرات التي وجدني فيها أبي على تلك الحال، فينظر إليّ نظرة متعجبة خائفة، ولا ألومه، فقد كان لقائي بمحبوبتي بعد منتصف الليل، وكلما رغبت باختلاس النظر إليها؛ اذهب مشيا على رؤوس أصابعي، خشية إيقاظها، ولا أشعل نورا، ولا اصدر صوتا، وقد كنت واضعها بقفص خلف باب منزلنا،، فعند خروج أبي إلى دورة المياه؛ يجدني في ظلماء الليل أقف مبتسما خلف باب البيت أنظر إلى عصفور نائم، وأظنه كان يظنني مجنون حينها.
بقيت هذه العصفورة لدي سنوات طوال، نحو عقد من الزمان. خرجتُ إلى مدينة أخرى لدراسة الجامعة، وكنت أزور البيت في كل عام مرة أو مرتين، وفي العام الآخير عدت، وأعدتُ متاعي إلى غرفتي، وكتبي على رفوفي، وجلست مستلقيا على سريري، ثم تذكرت محبوبتي، ذهبت خلف الباب حيث تقنت، ووجدت قفصها، ولكن لم أجدها، ذُهلت حينها، وقلت: لعلهم قد نقلوها إلى قفص غيره، فذهبت إلى والدي وسألته: أين عصفوري؟ فقال: قد مات منذ أشهر..
لم يكن لرجل مثلي في ذاك الوقت لينهار في خضم تلك المحنة السوداء، إذ عايشت من الفراق ماهو أشد من ذلك، ولكن حزنت عليها، واغرورت عيناي دموعا أثر فراق صديقتي ومحبوبتي، لا أزال أجد رائحتها الجميلة، وهي جالسة على كتفي تداعب رقبتي، وعتابها الشديد حين أغيب عنها، فتنقض علي تهاجمني وتعضني، وتخدشني، حتى إذا شفي غليلها، وذهب غيظها؛ عاودتني بالعناق والاشتياق..».
العبرة: أن الحب غريزة أساسية في كل موجود، بغض الطرف عن جنسه، ولونه، وأصله، فالقلوب لا تنظر إلى الهيئات عادة، بل تنظر إلى القلوب المقابلة مباشرة، متجاوزة تلك العقبات، لتصل إلى محبوبها، وتتخطى الحدود لتصل إلى نشوة العشق، ولذته.
ولذلك نجد أن بقايا آثار الحب بعد انقضاءه لا تنقضي معه، فكم من حبيب لاحق محبوبه وراقبه بعد انفصاله، فلم يستطع تجاوزه، وإن أقر بعدم اكتراثه به، لكنه كاذب بإقراره، وفعاله تدل على تكذيبه.
وكم من حبيب آذى محبوبه، بدافع الانتقام والحقد، وذلك أن مشاعر الحب انقلبت رأسا على عقب، لدوافع كثيرة، منها خيبة الأمل، فكلما زاد التعلق، زادت الخيبة، وزادت الفجوة بين الحبيبين، وتحول ذلك الفراغ الأسود؛ إلى عداء، ورغبة بالانتقام، لتمتلئ تلك الفجوة بعد فراغها.
والحديث عن الحب لا ينتهي، فمعالجة الروح الإنسانية وفهمها من دقائق المسائل، التي لا تتأتى لكل أحد، ويصعب على الإنسان كثيرا فهم نفسه، فكيف بفهم جنسه؟ فمعالم تلك الارتباطات جلية، ولكن اسرارها خفية، وحديثنا عن صنف من أصنافه الحادثة النازلة، ومحاولة معالجتها، وتبيين معالمها.
ذريعة التجديد
تتكون الحياة الزوجية من عقوبات، ومحاكمات، ومرافعات، وجلسات، ومسؤوليات، وواجبات، ومع كثرة ملاقاة الشريك؛ تفتر مشاعر الحب والمودة، وتتحول إلى واجبات، ومهمات فحسب. ولأدلجة مفاهيم الحياة الحديثة، والولوج في مطاحن الرأسمالية؛ بات كلا الزوجين موظفين يزاولان مهنًا مجردة، دون إعطاء العواطف أدنى فرصة. وكثيرا ما يؤول الأمر إلى البحث عن بدائل للشريك، ليعيد اللذة التي يفترض به تحصيلها منه، بالمعاشرة، والحب، والمودة، وغير ذلك.
«تؤكد الدراسات أن أكثر رواد بيوت الدعارة، ومدمنوا المواد الإباحية: متزوجين»
عند قراءتي لهذه الدراسات أتساءل: ما الذي يجعل الزوج، أو الزوجة يبحثان عن جسد آخر، خاصة عند التأكد من أن كثيرا من البدائل لأحدهما لم يكن بذاك الجمال مقارنة مع الشريك الفعلي، فما الذي يهرب منه كل واحد منهما؟ بقيت متحيرا لفترة، لكن مع التأمل، تبين لي أن البحث لم يكن عن جسد جديد، بل عن روح أخرى.
مجهول
قال سومرست موم (ت١٩٦٥م): « الحب هو ما يحدث للرجال والنساء الذين لا يعرفون بعضهم بعضا». الحب عموما لا يقوم إلا على شيء من الجهل، وذلك أن الإنسان النقص فيه وصف لازم، والعين الباصرة تتطلب الكمالات في ما لا كمال له، وغذا الإنسان في هذا العصر يطلق العنان لبصره أن تتشوف لكل ما تقع اللذة بالنظر إليه، مما يجعله واقعا في مقارنات لا بد منها، وهذا مما يؤدي به إلى المحظور.
منذ أن اطّلع الإنس على هذه الفضائيات في الخمسينات؛ باتت العلاقات الغرامية تتفاقم، وتخرج عن سيطرة المرء، فالنفس أشبه ببالون لا نهاية له، كلما أخذت؛ ارتفعت تطلعاتها بالمزيد. ولما صارت بما أسميه «حقبة التسليع البشري» من إبراز عارضي الأزياء، والممثلين الوسيمين، وأولي الحسن والجمال؛ لم تعد النفس العاطفية تشبع من نهم الشهوة، ولا أن تكتفي بفرد واحد، من كلا الجنسين. ومع تقدم التقنيات الرقمية، وإنشاء «الكون الافتراضي» حكم على البشر بالهلاك العاطفي، كما ازعم على أقل تقدير.
يجعل الأنترنت التنكر أسهل أكثر من أي وقت مضى، ويتيح لك إعادة خلق نفسا جديدة، بالسمات التي ترغب بها أنت، أو ما يطلبه السوق! بداية من الاسم، إلى المظهر، البلد، النسب، المال، كل شيء تستطيع تغييره، وتحديده، ليكون هذا القناع جذابا بما فيه الكفاية، لتقابل المجتمع الذي يمارس نفس النفاق، والتستر على حقيقة النفس، بوضع أقنعة عليها، تضمحل بها حقيقتها. وخلف هذه الشخصية المميزة الفريدة؛ كان يقودها وجه تعيس، بائس، ولا يدرك أن كلما زادت الفجوة بين ما تظهر عليه نفسك، وبين ما أنت عليه؛ كانت تلك الفجوة هشاشة النفس، وضعفها.
فتمتاز هذه التقنيات بسهولة إخفاء العيوب، وإظهار المحاسن، مما يجعل الفرد فيها صيادا مخضرما، أو منافقا صِرفا.
لا تبرح بعد أن تخلق ذلك الإنسان الافتراضي؛ حتى تبتلع طُعما ألقاه أحدهم عليك، بانجذابك إلى بهرج الكلام، وزخرف الجمال، ونحو ذلك من الفخاخ التي يقع بها البشر عادة، فتجد نفسك مغرما متيما بأحدهم. والنفس تصدق ذلك، وذلك أن النفس ليس موطنها المعالجة، بل الإقدام والتراخي والامتناع، بحسب ما يمليه العقل، فالعقل القائد، والنفس مطية العقل، ومتى ضعف العقل قويت النفس، وركبت العقل، وباتت تقوده إلى الهوان والسفول، ومتى قوي العقل سيطر عليها، وجعل إرادات النفس فيما ينفع، ويحرمها من ضده.
وبعد غرامك الافتراضي يتراءى لك أن معشوقك لا مثليه له، ولا شبيه، ولا نظير، وليس في الأرض مثله، ولا تريد سواه، ولن تحب إلا إياه، تذكر محاسنه، وتتجنب مساوءه، وتموج في أمر مريج.
الإعجاب الذي يخلفه هذا التعارف عشق مضمحل، يبنى على النفاق والكذب، وتصنع نسخة مثالية لا وجود لها، وكثيرا ما يعتري هذه العلاقات الغموض والخفاء والتكتم عن كثير من الحقائق، ومع ذلك يظن كلا الشريكين أنهما يعلمان كل شيء عن الآخر.
ويبدأ التعلق من هاهنا، حيث يكمن الغموض، والخفاء، والجهل في كثير من حقائق الشريك، والعقل الآدمي غير مستعد إلى هذه اللحظة بمعالجة عشق شخص لم يره، ولم يسمع صوته، ولا يعلم عنه سوى بضع حروف كتبها في الدردشة، فيقوم حينئذ بمرحلة إتمام النقص، وهذه المرحلة التي تحكم عليه بالفناء بمحبوبه، فإن جهل صورته؛ تخيل له صورة أحسن ما يكون المرء عليه، وكذا مفاتن الجسد، والصوت، وكل تفاصيله، حتى ينتهي الأمر إلى عشق صورة لا حقيقة لها بالخارج، ولكنه بشكل أو بآخر يربطها بالواقع، ويلبسها محبوبه، فيغطيه بثوب الكمال، فيتعلق به.
ومن آثار الوهم نفسه؛ وهم على طبائع الآخر، فلنفس السبب؛ يرى الشريك أن الآخر يفهمه فهما، فهما لا يفهمه به من حوله، ولا حتى أقرب الناس إليه، حتى زوجه الفعلي لا يفهمه كذاك!
محفزات
ومما يؤدي إلى تلمس هذا النوع من الحب أمور، منها: وفرة الخيارات، وسهولة الانتقاء، وكثرة المغريات، واحتياجات العاطفة. فيجد المرء نفسه أمام كوكبة من النساء الفاتنات، والرجال الوجهاء، والأثرياء، والعقلاء، كما أنه يجد بطبيعة الحال ما هو من قبيل ضد ذلك. فمرحلة الانتقاء تكون عبر فرز هذه الأنواع.
ومما يلحظ أنه يكثر الوقوع بغرام أحد بكثرة ملابسته، عبر قراءة كلامه، والاطلاع على أخباره، ومتابعة نشراته، فيجد المرء نفسه مولعا به، هائم إليه، وما يلبث أن تسمح له الفرصة بعرض نفسه عليه، مخترعا حجة ما، بها يكون الوصول إليه.
انكفاف
في مرحلة الرغبة بالتعافي من هذا الوهم يجب أن يستحضر الإنسان ما تقدم، وان المرء في هذا العالم الافتراضي ماهو إلا شخصية وهمية مختلقة، فيها بعض صفاته، وليست هي إياه.
نعم، التعافي من التعلق شاق جدا، وقد لا يتحقق لكثير من العالمين، ولكن: إرادة التغيير إن تحققت، وقويت فلا بد من وقوعه، أو وقوع بعض آثاره مما يؤدي إلى كسر صنم العشق المزيف.
وإرادة التغيير لابد منها في عالم متغير، في عالم قرب البعيد وأبعد القريب، محى الحدود التي رسمها الإنسان، تلك الحدود التي رسمت بعد عناءات طويلة، ومرارات كثيرة، تجرعها الإنسان منذ القدم، ولم يزل يبحث عن حلول توقيه خروج مقليته أسفا، حتى وجدها، فرسمها، وفي العصر الحاضر يحرص الإنسان الحديث على محي تلك الحدود التي حدها أجداه. نعم، قد لا يعلم الإنسان مخاطر ما يؤول إليه هذا الأمر، فالشهوة تدفعه، والرغبات تقنعه، والنفس لم تزل تجره وترديه إلى وحل السفول.
ولن يبرح الإنسان يبحث عن الشقاء لنفسه كبحثه عن طعامه، وإن له نصيبا من ذلك غير مجذوذ، كتب عليه ربه ذلك في بطن أمه، وهو صائر إليه لا محالة، ولكن الوقاية مما يحاذر الإنسان واجبة عليه، إذ لا يلقي المرء نفسه متردية من شاهق فيحتج بقدره المكتوب عليه مسبقا، فهذا سفه، وحمق ما بعده حمق ولا سفه.
ولن تعالج هذه الورقات المشكلة، ربما ولا حتى جزء منها، ولكن أرجو إلى أن تكون قد أضاءت شيئا بذهن أحدهم، فبات يفهم الواقع أكثر من ذي قبل.
وكتبه: غيهب
30/5/2025







